تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 386

مساهمون:

ص٣٨٦
مَا سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِغَيْرِ هَذَا فَقَالَ : وأَيُّ شَيْءٍ أَشَدُّ مِنْ شُحِّ النَّفْسِ ، إِنَّ اللهَ يَقُولُ : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ] « 1 » . [ 10 ] تلك كانت العلاقة النموذجية التي ينبغي أن يتحلى بها السابقون تجاه اللاحقين ، وقد جعل الله الأنصار الصادقين مثلا لها ، فما هي العلاقة من طرفها الآخر ( اللاحقين بالسابقين ) ؟ يضع القرآن أمامنا قواعدها الرئيسية ونموذجها من حياة المهاجرين المخلصين . وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ المهاجرون بعد الأنصار في المدينة ، والمهاجرون إلى إخوانهم المنتصرين في أي بلد ، واللاحقون من الأجيال في الحركة الرسالية ، فإنهم يحترمون أولئك ، ويعون قيمة دورهم الريادي ، وانعكاسه الإيجابي عليهم ، ويريدون لهم الخير كما يريدونه لأنفسهم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ فهم لا ينسون جميل السابقين إليهم ، وتلك الجهود والتضحيات التي بذلوها لصالحهم ، ويقدرون بالذات سبقهم إلى الانتصار ، وتأسيسهم دار الإسلام ( دولته ) مما يتيح لهم الهجرة إليهم ، والتحرك بفاعلية أفضل وأوسع ، وسبقهم إلى الإيمان الذي تأسس به إيمانهم ، وعلاقتهم بهم تتأسس على نظرة الاحترام والحب والتقدير . وللآية بصيرة هامة تبين موقف التقييم السليم من قبل الأجيال اللاحقة تجاه الأجيال السابقة ، فهناك ثلاث نظريات تستتبع ثلاثة مواقف متباينة : 1 - الذين اعتبروا السابقين متخلفين وسبباً لتخلف اللاحقين ، ووقفوا منهم موقفاً سلبيًّا للغاية ، وسمَّوهم رجعيين ، ودعوا إلى بناء الواقع والمستقبل من جديد على أنقاض الماضي ، ويمثل هؤلاء اليوم في المسلمين المتغربون والسلبيون الذين أصيبوا بردات فعل تجاه الواقع الذين نشؤوا فيه ، وبلغ الأمر ببعضهم أن اتهموا دين الإسلام ذاته لأنهم رأوا بعض السلبيات فيمن اعتنقه من آبائهم ، كما قال تعالى : وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِين [ الأحقاف : 17 ] . 2 - وهناك فريق آخر وقفوا موقف القبول المطلق وهم يرددون إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] ، فهم يقدسون التراث إلى حد العبادة ، ونجد صورة لهذا الفريق في الذائبين في السلف وأفكارهم ، يرحبون بحسناتهم وسيئاتهم على السواء ، ولا يقبلون أدنى انتقاد لسلوكهم وأفكارهم ومواقفهم ، ويعدُّون الشخص ذا فضل وعظمة
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 7 ، ص 30 ، تفسير القمي : ج 2 ص 372 .