تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 388

مساهمون:

ص٣٨٨
المزيد من التوفيق للتخلق بهما ، وأن يرأف بهم بنزع الأغلال من قلوبهم تجاه بعضهم ، ويرحمهم بالغفران . [ 11 - 12 ] تلك كانت صورة المؤمنين في توادهم وتراحمهم ، وهناك صورة معاكسة تمثل المنافقين والكافرين ، وتحكي تفتت علاقاتهم ، ويحدثنا السياق عن أمثولة لها من علاقة منافقي المدينة مع كفار بني النضير ، فبالرغم من العهود والمواثيق التي أعطوها المنافقون لهؤلاء ، ورغم التحالفات التي عقدوها مع بعضهم ضد الإسلام والرسول إلا أن ذلك لم يضف إلى تماسكهم شيئا ، إنما تقطعت بهم الأسباب مع أول مواجهة تمت بين اليهود وبين المسلمين . وهذه الأمثولة جديرة بالتأمل من قبل المؤمنين بالذات وهم يخوضون الصراع مع الأعداء ، فإن ذلك ينفخ فيهم روح الثقة والاطمئنان بالنصر ، ولذلك يدعو الله نبيه وكل مؤمن إلى دراسة ذلك بقوله سبحانه : * أَلَمْ تَرى إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا وسُمِّي المنافق منافقاً اشتقاقا من : [ نافقاء اليربوع ] « 1 » ( جحره ) فإنه يُخفي نفسه فيها ، كما يتخذ المنافق نفقا من التصنع والتكلف والكذب يخفي فيه شخصيته الحقيقية ، ولقد كان المنافقون على مر التاريخ مزدوجي الشخصية ، فهم بين المسلمين يتظاهرون بأحسن صور الإسلام ، وبين الكفار يظهرون على حقيقتهم المعادية للحق ولأهله ، ويتخذون ذلك مطية لنيل الغنيمة والمصلحة من الفريقين . يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ هؤلاء هم إخوانهم الحقيقيون لأن شخصيتهم ومصالحهم وأهدافهم واحدة ، بالرغم من تظاهرهم بالأخوة للمؤمنين ، وليس إخوتهم كل أهل الكتاب ففيهم المؤمنون ، إنما إخوانهم الكافرون والمشركون منهم ، وجزء من مسيرة النفاق تربص أهله الدوائر بالمؤمنين بحثا عن المصلحة التي لا تتحقق بسيادة الحق وأتباعه المخلصين ، لذلك ارتأى المنافقون وقد بدت علامات الحرب بين بني النضير والمسلمين أن يؤججوا الصراع طمعا في انتصار الباطل ، وصعودهم داخليًّا إلى سدة الحكم ، أو على أقل تقدير تجنبهم المخاطر المترتبة على هزيمة المؤمنين لو حسبهم أولئك منهم ، ولكنهم - وهذا ديدنهم في كل زمان ومكان - لم يضعوا البيض كله في سلة اليهود ، إنما وضعوا احتمال هزيمتهم فخططوا ومكروا على أساسه بأن تبقى تحالفاتهم مخفية ، حتى لو انهزم اليهود لا يفقدون كل شيء بين المسلمين المنتصرين ، فراحوا يتسللون لهم فرادى وجماعات ، ويكاتبونهم مؤكدين : لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ أي لو قرر المسلمون إخراجكم فسنخرج ، ومصيرنا وإياكم واحد على كل حال . ولعل في الآية إشارة إلى أن مصير المنافقين ووجودهم مرهون بدعم القوى الخارجية بحيث لا يبقى لهم كيان ولا مبرر وجود من دون تلك التحالفات ، لذا
هامش
( 1 ) مفردات غريب القرآن : ص 502 .