سوف تتضخم فتراكم العقد في نفوسهم ، وتدفعهم إلى سلوك اجتماعي خطير تجاه الآخرين ، ولذلك جاء في الرواية عن الإمام الصادق عليه السلام :
« لِلْحَاسِدِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ يَتَمَلَّقُ إِذَا شَهِدَ ويَغْتَابُ إِذْ غَابَ ويَشْمَتُ بِالمُصِيبَةِ »
« 1 » ولك أن تتصور مجتمعا متحاسدا يكاد يتمزق داخليًّا كيف يتسنى له أن يتقدم حضاريًّا ، وكيف ينتصر أمام التحديات الكبيرة .
ثالثاً : الإيثار . . وهو علامة الإيمان ، والمظهر الخارجي للحب الصادق تجاه الإخوان ، وقمة التماسك في جبهة الإيمان ، حيث التفاني والتضحية من أجل الغير لوجه الله ، والمؤمن الصادق هو الذي يقدم نفسه للخطر ليسلم الآخرون ، ويؤخرها عند المكاسب ليغنموا . أوليس يبحث عن القمة السامقة من الإيمان والفرح التي تتمثل في الإيثار ؟ بلى ؛ وهو لا يقيم وزنا لحطام الدنيا حتى يتقاتل عليه أو ينفرد به .
والأنصار لم يكونوا أحبوا إخوانهم المهاجرين ، وتطهروا من الحسد تجاههم فحسب ، بل وآثروهم على أنفسهم ، ووصلوا من الإيثار سنامه ، حينما تنازلوا عن حظهم من القسمة رغم حاجتهم الشديدة وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ فهم لم يجعلوا عوزهم وحاجتهم الشديدة تبريرا لترك الإيثار ، وقد اهتم أئمة أهل البيت عليهم السلام ببيان فضيلة الإيثار ، والدعوة إليها ، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال :
« خِيَارُكُمْ سُمَحَاؤُكُمْ وشِرَارُكُمْ بُخَلَاؤُكُمْ ، ومِنْ خَالِصِ الإِيمَانِ البِرُّ بِالإِخْوَانِ والسَّعْيُ فِي حَوَائِجِهِمْ ، وإِنَّ البَارَّ بِالإِخْوَانِ لَيُحِبُّهُ الرَّحْمَنُ وفِي ذَلِكَ مَرْغَمَةٌ لِلشَّيْطَانِ وتَزَحْزُحٌ عَنِ النِّيرَانِ ودُخُولُ الجِنَانِ . يَا جَمِيلُ أَخْبِرْ بِهَذَا غُرَرَ أَصْحَابِكَ .
قُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ مَنْ غُرَرُ أَصْحَابِي ؟ قَالَ عليه السلام :
هُمُ البَارُّونَ بِالإِخْوَانِ فِي العُسْرِ واليُسْرِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا جَمِيلُ ! أَمَا إِنَّ صَاحِبَ الكَثِيرِ يَهُونُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ، وقَدْ مَدَحَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فِي ذَلِكَ صَاحِبَ القَلِيلِ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ :
وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ ] « 2 » .
وجاء في حديث آخر مأثور عن الإمام الصادق عليه السلام فيما رواه عنه أبان بن تغلب قال : [ سَأَلْتُهُ فَقُلْتُ أَخْبِرْنِي عَنْ حَقِّ المُؤْمِنِ عَلَى المُؤْمِنِ ، فَقَالَ عليه السلام :
يَا أَبَانُ دَعْهُ لَا تَرِدْهُ ،
قُلْتُ : بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ فَلَمْ أَزَلْ أُرَدِّدُ عَلَيْهِ فَقَالَ عليه السلام :
يَا أَبَانُ تُقَاسِمُهُ شَطْرَ مَالِكَ .
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَرَأَى مَا دَخَلَنِي ، فَقَالَ عليه السلام :
يَا أَبَانُ أَمَا تَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قَدْ ذَكَرَ المُؤْثِرِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ؟ .
قُلْتُ : بَلَى جُعِلْتُ فِدَاكَ . فَقَالَ عليه السلام :
أَمَّا إِذَا أَنْتَ قَاسَمْتَهُ فَلَمْ تُؤْثِرْهُ بَعْدُ إِنَّمَا أَنْتَ وهُوَ سَوَاءٌ ، إِنَّمَا تُؤْثِرُهُ إِذَا
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل : ج 2 ص 442 .
( 2 ) الكافي : ج 4 ، ص 41 .