وهكذا يحدد القرآن محور التواصل بين فئات المؤمنين : الأنصار الذين سبقوا غيرهم في بناء التجمع الإيماني ، والمهاجرين الذين تجردوا عن مصالحهم في سبيل الله ، فيبين أن الحب هو ذلك المحور .
ولا يصل الإنسان إلى هذا المستوى الرفيع من الأخلاق إلا إذا تمكن الإيمان من نفسه فتجاوز شح نفسه ( الأهواء والشهوات ، والمصالح ) وتحرر عن أغلال الوطنية والقومية والعنصرية والطبقية والحزبية ، وأصبح مثلما قال الإمام الصادق عليه السلام :
« مَنْ أَحَبَّ لله وأَبْغَضَ لله وأَعْطَى لِلَّهِ فَهُوَ مِمَّنْ كَمَلَ إِيمَانُهُ »
« 1 » بلى ؛ إن الحب في الله من أوثق عرى الإيمان ، قال رسول الله صلى الله عليه وآله :
« وُدُّ المُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ فِي الله مِنْ أَعْظَمِ شُعَبِ الإِيمَانِ »
« 2 » .
وقد اعتبر أئمة الهدى الحب هو الدين ، ويجيب الإمام الصادق عليه السلام سائلا سأله عن الحب : هل هو من الإيمان ؟ فيقول :
« يَا زِيَادُ وَيْحَكَ وهَلِ الدِّينُ إِلَّا الحُبُّ ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ
، أَوَلَا تَرَى قَوْلَ الله لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله
حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
، وقَالَ :
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ
فَقَالَ : الدِّينُ هُوَ الحُبُّ والحُبُّ هُوَ الدِّينُ »
« 3 » ، وعنه عليه السلام قال :
« قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله لِأَصْحَابِهِ : أَيُّ عُرَى الإِيمَانِ أَوْثَقُ ؟
فَقَالُوا : اللهُ ورَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وقَالَ بَعْضُهُمُ : الصَّلَاةُ ، وقَالَ بَعْضُهُمُ : الزَّكَاةُ ، وقَالَ بَعْضُهُمُ : الصِّيَامُ ، وقَالَ بَعْضُهُمُ : الحَجُّ والعُمْرَةُ ، وقَالَ بَعْضُهُمُ : الجِهَادُ ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله :
لِكُلِّ مَا قُلْتُمْ فَضْلٌ ولَيْسَ بِهِ ، ولَكِنْ أَوْثَقُ عُرَى الإِيمَانِ الحُبُّ فِي الله والبُغْضُ فِي الله وتَوَالِي أَوْلِيَاءِ الله والتَّبَرِّي مِنْ أَعْدَاءِ الله »
« 4 » . وكيف لا يحب المهاجرون ، والمنتصرون ، والسابقون إلى الإيمان من يلحق بهم ، وقد جاؤوا ليحققوا أهم أهدافهم وهو نصرة الدين ؟ ! .
وكلمة أخيرة : إن المؤمن الصادق محكوم بمعادلة التولي والتبري ، وبالتالي فإن نسبة تبريه من الأعداء هي من وجهها الآخر تولٍّ للمؤمنين : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] .
وإننا اليوم نسعى من أجل المجتمع المسلم فلا بد أن نبدأ بأنفسنا ، ونجعل تجمعنا ربانيًّا إلهيًّا ، يدور على محور الحب في الله ، والبغض في الله ، حتى يباركه الله من فوق عرشه ، ويرعاه بنصره وتأييده . وكلما ازداد صراعنا مع أعداء الله شدة وعنفا كلما ازددنا تلاحما وتماسكا
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 124 .
( 2 ) الكافي : ج 2 ، ص 125 .
( 3 ) وسائل الشيعة : ج 16 ، ص 171 .
( 4 ) الكافي : ج 2 ، ص 124 .