تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ( 16 ) فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ( 17 ) . هدى من الآيات : يركز السياق في هذا الدرس على بحث العلاقة الداخلية في جبهة المؤمنين من جهة ، وفي جبهة أعداء الله وأعدائهم من جهة ثانية ، ففي البداية ينطلق من خلفيات قسمة الفيء الذي صار نصيبا للمهاجرين بحكم النبي ، وبإيثار الأنصار أنفسهم ، فيمتدح حب هؤلاء لبعضهم وطهارة قلوبهم ، وإيثارهم على أنفسهم مما يؤكد خروجهم من زنزانة النفس ، كما يسجل موقف المهاجرين الإيجابي من الأنصار ، ومدى تحررهم من أي إصر أو عقدة ، ويضع ذلك نموذجا ساميا للعلاقة التي ينبغي أن تحكم التجمعات والمجتمعات الإيمانية أفرادها وجماعاتها ، وشعوبها وأجيالها ، فإن الهيبة والانتصار ، والتقدم ، والفلاح يرتكز على الذوبان في بوتقة الإيمان والتسليم للقيادة الرسالية ، وبتعبير القرآن : [ الوقاية من شح النفس ، واتباع بصائر الوحي ] ، بعيدا عن كل هوى ومصلحة . ثم يضع القرآن صورة ثانية عن طبيعة العلاقة الداخلية في جبهة الباطل ، ويؤكد لنا أنها قد تتراءى للمراقب الخارجي بأنها جبهة متماسكة إلا أنها تفتقر لأهم عوامل الوحدة والتماسك وهي وحدة القلوب ، والسبب هو اتباعهم الباطل والأهواء والمصالح ، ونبذهم الحق المتمثل في الرسالة وهدى العقل ، وكل ذلك فإن الإنسان لا يجد دوافع حقيقية للتضحية والتفاني من أجله ، ولهذا فإن جبهة الباطل تضعف وتتمزق بمجرد تعرضها للتحديات الحقيقية ، وقد رأينا كيف استسلم بنو النضير من دون قتال ، وكيف تنصل المنافقون عن نصرتهم رغم الوعود والأيمان والمغلظة بينهما ، وهكذا هي العلاقة بين أهل الباطل ( أفرادا وجماعات ودولا ) يتناصرون ما دامت ثمة مصلحة مشتركة ، أما إذا انعدمت أو وجدت في مكان وموقف آخر فإنهم يميلون حيثما تميل ، وهي بالضبط تشبه العلاقة بين الشيطان وبني آدم ، حميمة ما دامت للشيطان مصلحة فيه ، أما إذا آن عذاب الله فكأنه لا يعرفه فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ . بينات من الآيات : [ 9 ] بعد أن مكث النبي صلى الله عليه وآله في المدينة واستتب له الأمر تقرر في الحركة الرسالية