دارهم وهم الذين جعلوها داراً للإسلام .
فها هنا تقديم وتأخير . ولكن هذا يخالف الظاهر ، ولا مانع من نسبة التبؤ للإيمان كما مرّ أي أتخذوه موطناً .
ويبدو لي أن المعنى أنهم تبوؤوا دار الإيمان ، فيكون معنى الدار التقارن كما لو قلنا : ركبت البحر والريح الهائجة ، أي مقارنا مع هيجان الريح .
وقد اشتهر في الأدب الإسلامي التعبير بدار الإسلام ، ولعله مستوحى من هذه الآية . فقد جاء في الحديث عن الإمام الصادق عليه السلام :
« وَالإِيمَانُ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ وهُوَ دَارٌ ، وكَذَلِكَ الإِسْلَامُ دَارٌ والكُفْرُ دَارٌ »
« 1 » . فيكون المعنى أنهم - الأنصار - الأسبق إلى تكوين التجمع الإيماني المتكامل الذي يصدق أن دار - دولة - الإسلام . فعلى هذا القبلية هنا بلحاظ دار الإيمان . حيث أن بعد بيعة العقبة تشكلت نواة الدولة الإسلامية وبعد ذلك هاجر المهاجرون إليها .
يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ونستوحي من الآية أنه إذا انتصر المؤمنون في بلد ، وكوَّنوا المجتمع الإسلامي فلا يعني أن الذين في تلك البلاد من المسلمين أفضل من غيرهم ، ولا يجوز أن يستأثروا بالمكاسب ، أو يفرضوا وصايتهم على غيرهم ، كلا . . فكل ما عند المؤمنين حتى أنفسهم ملك للإسلام ولأهله ، الذين هم إخوانهم ، وينبغي لهم ألَّا يأخذهم غرور الانتصار ، أو العجب بالنفس ، بل يفعلون كما فعل الأنصار ، فلقد بلغ بهم الإيمان والحب لإخوانهم أن آثروهم على أنفسهم ، لأنهم انتموا للإسلام ابتغاء فضل الله ورضوانه وليس بحثا عن المكاسب المادية ، ولأنهم يقدرون ظروف إخوانهم المهاجرين ، حيث ضحَّوا بأموالهم وبيوتهم ومستقبلهم المادي من أجل الدين ، وحبًّا في الانتماء إليهم ، وضم جهودهم وطاقاتهم إليهم لتقوية مجتمع الحق وجبهته .
والسؤال : كيف يجب أن تكون علاقة الأجيال المؤمنة ( السابقة باللاحقة والأنصار بالمجاهدين ، والمنتصرين بالحركات التي تسعى للانتصار فتهاجر إليهم ) ؟ .
أولًا : الحب القلبي الصادق . . فلا يرون اللاحقين بهم من سائر الفصائل الرسالية غرباء أو دخلاء ، ولا يريدونهم أن يكونوا مجرد تابعين لهم ، ولا أن يستثير وجودهم وتنافسهم ولا حتى اختلافهم معهم أي حقد وحسد ، ولا أي لون من الحساسيات السلبية ، لأن رابطتهم ببعضهم أكبر من كل ذلك . إنها رابطة الإيمان والجهاد .
هامش
( 1 ) الكافي : ج 2 ، ص 27 .