المباركة أن يهاجر المؤمنون من مكة إليها ، وحيث تواردوا أفواجا استقبلهم الأنصار وأوسعوا لهم صدورهم ودورهم ، وتقاسموا معهم الأموال وحتى الأزواج ، ولكن الخط المنافق من أهل المدينة وغيرهم ما كان يرضيهم أن يحتضن الأنصار المهاجرين ، فلما أجلى المسلمون اليهود وقرر الرسول القائد صلى الله عليه وآله أن يعطي الفيء للمهاجرين طفحت أحقادهم ، واتخذوا الأمر فرصة سانحة ليلعبوا دورهم الخبيث ، فمشوا في الصفوف بالشائعات ليضربوا زعامة النبي صلى الله عليه وآله الذي يكنون له الحقد الدفين باعتباره لم يكن من أهل المدينة ، وذلك بالتشكيك في سلامة نيته ، حيث اتهموه بأنه انحاز لقومه ( المهاجرين ) على حساب الأنصار ، ومن جهة أخرى استغلوا القسمة لهدف إيجاد الاختلاف والفرقة بين المؤمنين ، بالذات باعتبار أن الظاهر كان يمكن تجييره لصالح التفرقة لاختلاف المهاجرين والأنصار ، وعموما تتأسس سياسات التفرقة دائما على المظاهر المادية كاللون والمذهب والقومية والطائفية ، وطالما أظهر المنافقون وعلى رأسهم عدو الله بن أبي للأنصار أنهم يريدون خيرهم من وراء موقفهم ، وطالما استثاروا فيهم الوطنية وشح النفس ليكسبوهم ، ولكنهم رفضوا ذلك لأنهم كانوا أصحاب البصيرة النافذة ، والإيمان الرفيع ، والتسليم المطلق لقيادة الحق .
أما الرسول فقد جمعهم وقال :
« إِنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُمْ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ دُوركم وَأَمْوَالِكُمْ ، وَقَسَمْتُ لَكُمْ مِنِ الغَنِيمَةِ كَمَا قَسْمتُ لَهُم
( أي أساوي بينكم )
، وَإِنْ شِئْتُمْ كَانْ لَهُم الغَنِيمَةُ ، وَلَكُمْ دِيَارَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ
( أي يخرجون من أموالكم ودوركم ويصير لهم الفيء خالصا )
، فَقَالُوا : لَا ، بَلْ نَقْسِمُ لَهُمْ مِنْ دِيَارِنَا وَأَمْوَالِنَا وَلَا نُشَارِكُهُمْ في الغَنِيْمَةِ »
« 1 » ففشل المنافقون ، وهكذا تنتصر كل أمة على محاولات التفرقة حينما تتبع قائدها ، وتلتزم بالقيم الحق ، وتعيش فيما بينها الألفة والحق والإخاء ، وقد سجل ربنا هذا الموقف الجليل كرامة للأنصار ، وليكون نموذجا على ما يصنعه الإسلام بالنفوس ، وليبين للبشرية جيلا بعد جيل وللأمة الإسلامية بالذات سر انتصاراتها في التاريخ وسبيلها إلى ذلك ، وأن الرعيل الأول من المخلصين إنما قاد العالم يومئذ بهذه الروح الإيمانية السامية ، فقال عز وجل : وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني الأجيال المؤمنة السابقة من الأنصار ، وقالوا في جواب سؤال : كيف يُنسب التبؤ للإيمان ؟ . أن : معنى الآية : تبوؤوا الدار ، وأخلصوا الإيمان ، أو اتخذوا الإيمان وطنا ، وتمكنوا منه ، مثلهم مثله سلمان لما سألوه عن نسبه ، فقال : أنا ابن الإسلام ، ثم تساءلوا : كيف قال ربنا : إنهم آمنوا قبل المهاجرين ، أولم يسبقوهم بالإيمان ؟ فقيل : مِنْ قَبْلِهِمْ قبل قدوم المهاجرين ، وقيل المعنى بعض الأنصار ، أي أصحاب العقبة سبعون رجلًا تقدم إيمانهم على إيمان بعض المهاجرين . كما قيل : على التقدير السابق أن قَبْلِهِمْ خاصة تبؤ الدار ، ومعلوم سبق الأنصار لذلك فهي
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 19 ، ص 161 .