[ 8 ] أما عن الفيء فقد قال رسول الله للأنصار :
« إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمُ
( فَيْءَ )
المُهَاجِرِينَ وَقَسَمْتُهَا فِيهِمْ وَإِنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَتَرَكْتُهُمْ مَعَكُمْ .
قَالُوا : قَدْ شِئْنَا أَنْ تَقْسِمَهَا فِيهِمْ . فَقَسَمَهَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله بَيْنَ المُهَاجِرِينَ وَدَفَعَهُمْ عَنِ الأَنْصَارِ وَلَمْ يُعْطِهِ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَّا رَجُلَيْنِ وَهُمَا : سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ وَأَبُو دُجَانَةَ فَإِنَّهُمَا ذَكَرَا حَاجَةً ] « 1 » ، وبهذا تحمَّل الرسول مسؤولية الفقراء من المهاجرين ، ووضع إصرها عن الأنصار من أهل المدينة برضا منهم ، فكان الفيء كما ذكر الله : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الذين فروا من أجواء الكبت والإرهاب والكفر ، والتحقوا بصفوف الحركة الرسالية والقيادة الصالحة التي استقرت آنذاك في المدينة المنورة ، ولا ريب أنهم تحملوا بسبب هذا القرار ألوان الضغوط المعنوية والمادية ، ولكنهم تجرعوا مضض الألم ، ورضوا بكل ذلك في سبيل الوصول إلى أهدافهم السامية ، التي تستحق أكبر التضحيات .
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إنهم مهاجرون خرجوا من بيوتهم وأموالهم بإرادتهم ، ولكن الله يلفتنا إلى حقيقة مهمة : إذ يعتبرهم مُخرَجين ، وهي أن العامل الرئيسي في هجرتهم هو الظلم والفساد وأجواء الكبت التي يصنعها الطواغيت ، حيث إنهم يرفضون مبادئهم ، والعيش الذليل في ظل حكمهم ، كما أنهم لا يسمحون لهم بممارسة شعائرهم ، وتطبيق دينهم ، ووجدوا أنفسهم مجبرين على الهجرة كواجب شرعي لقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا [ الأنفال : 72 ] ولقوله : إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً [ النساء : 97 ] ولأنهم يعلمون أنهم مسؤولون عن تطبيق أحكام الله ، والالتزام بها ما دامت في الأرض بقعة متحررة ، كما يدركون أن الحرية لا يمكن المساومة عليها فهاجروا .
ثم يحدد القرآن الأهداف السليمة للمهاجر الصادق وهي ثلاثة :
الأول : البحث عن الفضل ، ونتساءل : هل مفارقة الأهل والأوطان ، وتجرُّع الفقر من الفضل ؟ بلى ؛ لأن المستقبل الكريم ليس بتوافر الوسائل المادية وحدها ، وهل في الغنى والرفاه فضل إذا فقد الإنسان الحرية والكرامة ، واستلبه الطغاة الأمن والسلام ؟ كلا . . أما المؤمنون الصادقون الواعون فإنهم يرون الفضل في المزيد من الإيمان والعلم ، والالتزام بالقيم والعيش بحرية واستقلال وكرامة في كنف القيادة والحركة الرسالية ، وكل ذلك يجدونه في الهجرة .
ثم إنهم لا يقتصر نظرهم على الحياة الدنيا ، بل ينفذون ببصائرهم إلى دار الآخرة ، حيث المستقبل الأبدي الذي ينبغي السعي للفلاح فيه ، ولو تطلب الأمر التضحية بكل ما في الدنيا
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 20 ص 168 ، تفسير القمي : ج 2 ص 360 .