تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
من الأموال والأولاد والأنفس ، ولذلك يسترخص المؤمنون المهاجرون حطام الدنيا ، يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [ الحديد : 29 ] . الثاني : أنهم لا يتعاملون مع ربهم بمقياس الربح والخسارة ، إنما يتعبدون بالتزام القيم تعبد الأحرار الواعين ، فلا يشبع طموحهم المستقبل المادي حتى ولو كان هو الجنة ، بل تراهم يبحثون من خلال الهجرة عن هدف أكبر وهو رضوان الله عز وجل وَرِضْوَاناً مهما كان ثمن ذلك الرضوان ، من الاعتداء والتعذيب والقتل ، ولو خالف هوى النفس ورضا الأسرة والمجتمع والحاكم ، بل ولو وجدوا أنفسهم بسببه محاربين من كل العالم ( كما هو حال الحركات الرسالية الأصيلة ، والقيادات المؤمنة المخلصة ، التي تحاربها كل قوى المستكبرين في العالم ، سياسيًّا واجتماعيًّا ، واقتصاديًّا ، وإعلاميًّا ) . الثالث : نصرة الحق لأنها الطريق إلى رضوان الله ، بالانضواء تحت راية القيادة الرسالية التي تسعى لإقامة حكم الله ، وطمس معالم الباطل من على وجه الأرض وفي المجتمع والنفوس - باعتبار أنها القناة الأصح والأفضل لنصرة الحق - فإن المؤمنين لا يرون أن مصادرة ممتلكاتهم أو هجرتهم عنها تسقط عنهم الواجب ، ولا يعتبرون دار الهجرة نهاية المطاف ، ومحلًا مناسباً لممارسة الشعائر والعبادات الاعتيادية كالصوم والصلاة والخمس ، وإنما يعتبرونها منطلقا لمسيرة جهادية مباركة . وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لتطبيق الحق وتحكيمه ، ومن طبيعة المؤمن الصادق أنه لا يفكر في حدود نفسه فإذا وجد الأمن والسلام نسي الآخرين ، إنما يحمل ألم مجتمعه وأمته ويعتبره ألمه ، ويجاهد من أجل خلاصهم من ربقة الجهل والفساد والظلم من منطلق شرعي وإنساني ، وحيث يصل دار الهجرة لا يتفرج على الصراع الدائر بين الحق والباطل ، إنما يعتبر نفسه معنيًّا بالصراع ، ومسؤولًا عن الانتصار للحق . أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ في إيمانهم ، والمصداق الحقيقي للمهاجر كما يراه الإسلام . أما الذي يبحث في المهجر عن حطام الدنيا ، وراحة النفس ، ولا ينصر الحق فليس بصادق في دعوى الهجرة ، ولا مصداقا للمهاجر . ولقد كانت قسمة الرسول في الفيء حيث جعله للمهاجرين قسمة منطقية ، لأنهم فقراء من الناحية المادية ، ولأنهم صودرت أموالهم ودورهم ، ولأنهم كانوا صادقين . ولعل هذا الموقف النبيل من الإسلام والقيادة الرسالية في التاريخ من المهاجرين ، وكذلك موقف الأنصار يهدينا إلى ضرورة اعتناء الأمة الإسلامية بأولئك الذين يهاجرون في سبيل الله ، ولخيرها ، بأن تتحمل قسطا من دعمهم المادي ، ودعم حركتهم لتتواصل مسيرتهم ، ويتفرغوا للجهاد بصورة أفضل ، ويحافظوا على استقلالهم ، فإنهم ومشاريعهم أولى بالدعم .