الأحداث إلى خلفياتها ، والعبرة الحقيقية ليست بأن يستفيد الإنسان من دراسته لأي حدث أو قضية أفكارا علمية ونظريات وخططا وحسب ، بل هي بالإضافة إلى ذلك أن تنعكس على سلوكه الشخصي في الحياة ، ويهتدي بها إلى أهم العبر والمواعظ وهي الإيمان بالله عز وجل ولا يصل إلى هذه الغاية إلا أولو البصائر السليمة ، فقد قال الإمام الصادق عليه السلام :
« وَلَا يَصُحُّ الاعْتِبَارُ إِلَّا لِأَهْلِ الصَّفَا وَالبَصِيْرَةِ »
« 1 » ثم تلا الآية .
ومن أهم العبر التي نستفيدها من هذا الحادث التاريخي هو معرفة حكمة الله وعزته ، والثقة بنصره للمؤمنين رغم الظروف والعوامل المعاكسة ، وما أحوجنا ونحن نقف اليوم في جبهة الصراع ضد أعداء الأمة الإسلامية ، وبالذات ضد الصهاينة الغاصبين أن نتسلح بهذه البصيرة ، وننتفع من دراسة تلك التجربة التاريخية .
[ 3 - 4 ] وتأتي الآية الثالثة لتضعنا أمام النتيجة التي انتهى إليها الصراع ، حيث سلَّط الله رسوله على اليهود ، فكتب للمؤمنين النصر ولهم الجلاء عن المدينة إلى بلاد الشام وغيرها ، ويلفتنا القرآن إلى سماحة الإسلام ، وكيف أنه لا يدفع أبناءه إلى الصراع من منطلقات الحقد ، وإنما يدفعهم إليه بدوافع إلهية وإنسانية ، فمع استسلام اليهود ، وتمكن المؤمنين منهم ، لم تندفع القيادة الرسالية إلى الانتقام ، إنما أمضت حكم الله في القضية بإجلائهم ومصادرة ممتلاكاتهم - إلا ما يلزمهم للطريق - وهذا بذاته تأكيد آخر على أن موقف الإسلام من أهل الكتاب لا يتأسس على المطامع أو العنصرية أو أي شيء غير الحق ، وإلا لقتلوهم ، واستعبدوهم ، وسبوا نساءهم .
وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا على أيدي المؤمنين أو بطريقة أخرى ، دون أن يقتصر الأمر في إجلائهم ، أو يؤخر عذابهم إلى الآخرة وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ . ونهتدي من هذه الآية إلى أن العذاب الذي يلقاه المجرم المصر في الدنيا لا يرفع عنه عذاب الآخرة ، إنما يواجه الاثنين معا .
وهل كتب الله عليهم الجلاء ونفَّذ المسلمون حكمه فيهم لمجرد كونهم يهودا كما يزعم الصهاينة الحاقدون ، ويوغرون صدور يهود العالم بالعداء والحقد عبر إعلامهم المضلل ومناهجهم التربوية المنحرفة ضد الإسلام والمسلمين ؟ ! كلا . . إنما الذي حدث كان نتيجة خيانتهم العهد ، ومحاربتهم الله ورسوله ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي وقفوا قبالتهما على شق آخر ، ناصبين أنفسهم للحرب ضدهما ، ضاربين بعرض الحائط كل المعاهدات . إلى هذا الحضيض بلغت العنصرية ونظرة التأليه للذات باليهود ، أنهم يعطون لأنفسهم الحق في محاربة الله وأوليائه ، ونقض العهد ، ومتى شاءت أهواؤهم ، لأنهم وهم يعتبرون أنفسهم أبناء
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 68 ، ص 326 .