أهمها أنه الجزاء الأنسب لأعداء الله .
وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ولعلنا نفهم من هذا المقطع أن استئصال النخل كان يدخل في سياق تضييق الحصار ، وإدخال الرعب إلى قلوبهم ، واستئصال وجودهم من المدينة ومن حولها ؛ جزاء فسقهم ومشاقتهم ، فمع أن الإسلام دين الصلاح والإصلاح ، وينهى عن الفساد في الأرض ، ويعتبره من صفات الرجل الطاغية الذي لا يحبه الله ، قال تعالى : وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ [ البقرة : 205 ] وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ [ المائدة : 64 ] وقال : فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ [ الأعراف : 74 ] ولكن الإسلام يبيح إهلاك الزرع وحتى النسل إذا توقف نصر الحق وإجراء العدالة على ذلك ، لأنه حينئذ سوف يصبح جزءا من خطة الإصلاح ، وإنما يحرم إذا كان فسادا ، وحينما يدرك المسلمون هذه الخلفيات والقيم الهامة فلن تؤثر فيهم الشبهات والشائعات ، وسوف يسلمون لقيادتهم ودينهم عن قناعة راسخة .
أما الشبهة الثانية : فقد انطلقت من أفواه المنافقين ، عندما تصرف الرسول في فيء بني النضير وصرفه للمهاجرين دون الأنصار ، إلا اثنين منهم هما : سهل بن حنيف وأبو دجانة ، فاتَّهم المنافقون الرسول بالانحياز إلى قومه من المهاجرين ، وحاولوا بذلك إيجاد الفرقة بين الفريقين ، وفصل الأنصار عن النبي صلى الله عليه وآله وبالتالي إضعاف قيادته وحركته ، والذي يظهر أن أكثرهم كانوا من أهل المدينة الذين لم يُعطَوا حصة من الفيء ، فاندفعوا بهذا العامل وبعامل النفاق المتأصل فيهم للوصول إلى أهدافهم المشؤومة هذه المرة على مطية حادث القسمة ، وليس ذلك جديدا في سلوكهم ؛ فهم يتربصون الدوائر بالإسلام وبالقيادة الرسالية ، وينتظرون حدوث أدنى شبهة ، أو ما يمكن تحويره إلى شبهة للنيل من مكانتها .
ولقد جاء القرآن ببيان الحكم الفصل في هذه القضية ، وليضع تشريعا في المغانم التي ينالها المسلمون من الأعداء بأنها على نوعين :
الأول : ما يتسلطون عليه بالقتال ، فيكون للرسول وللإمام من بعده الخمس من صفو المال قبل القسمة ، وما بقي يُقَسَّم على مقاتلي المسلمين ، ويسمى الغنيمة .
الثاني : ما يتسلطون عليه من دون قتال وهو للرسول وللإمام من بعده خاصة يتصرف فيه كيف يشاء ، ويسمى الأنفال . قال الإمام الصادق عليه السلام :
« الأَنْفَالُ مَا لَمْ يُوجَفْ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ ولَا رِكَابٍ أَوْ قَوْمٌ صَالَحُوا أَوْ قَوْمٌ أَعْطَوْا بِأَيْدِيهِمْ ، وكُلُّ أَرْضٍ خَرِبَةٍ وبُطُونُ الأَوْدِيَةِ فَهُوَ لِرَسُولِ
من هدى القرآن — صفحة 370
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٧٠