تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
الله وشعبه المختار ، يرون أنفسهم فوق الحق والدين ، وأن لهم الرأي والتصرف المطلق في كل أمر . وهذه صفة كل من تتضخم ذاته عنده ، أوليس اليهود يزعمون أنهم النخبة ، وأن كل الناس خلقوا لخدمتهم ؟ ! ثم أليسوا هم الذين قالوا : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ؟ ! بلى ، ولكن هل يستطيعون مواجهة سنن الله وإرادته ؟ كلا . . وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ولم يقل العذاب ، لأن كلمة العقاب تنطوي على معنى العذاب والجزاء معا ، وهي أصلح لهذا الموضع ، وفي الآية تحذير لكل من يعادي الحق ورموزه ، بغض النظر عن صفته وانتمائه ومذهبه ، وهذه العبارة كانت في يومها ولا تزال تحذيرا لكل من تُسوِّل له نفسه محاربة الحق ، وقد قال تعالى : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ثم قال : وَمَنْ يُشَاقَّ اللَّهَ دون ذكر الرسول ، وذلك ليهدينا إلى أن الموقف السلبي من القيادة الرسالية يعتبره الرب موقفا ضده ، وبالتالي فإننا نعرف أعداء الله من خلال مواقفهم من القيادة الرسالية . [ 5 - 6 ] ويقدم الله هذه الحقيقة : إن الجلاء كان نتيجة مشاقة اليهود لله ولرسوله ، والتأكيد على أن العقاب الشديد سوف ينال كل مشاقٍّ له سبحانه ، يقدمها مدخلًا لعلاج شبهتين أثارهما اليهود والمنافقون حول النبي صلى الله عليه وآله ومكانته القيادية ، وهما : قطع النخل ، وتقسيم الفيء ، ذلك لكي يُحصِّن المؤمنين ضد الإعلام المضلل ، وليعلموا أن المشاقة لا تتحدد باليهود ، ولا تنحصر في حمل السيف ، بل إن الشك في قيادة النبي والتخلف عن طاعته هو الآخر مشاقة يستحق صاحبها العقاب الشديد كما استحق ذلك اليهود . فقد سعت اليهود بعد أن أمر النبي بقطع النخيل لاستغلال الحدث من أجل تشكيك المؤمنين في قيادته صلى الله عليه وآله فقالوا : ما ذنب شجرة وأنتم تزعمون أنكم مصلحون « 1 » ، وتلقفت ألسن المرجفين المنافقين هذه الشبهة تشيعها في صفوف المؤمنين ، فَسَفَّه الوحي هذه الشبهة ورد شائعات المنافقين بالتأكيد على أن القرار في هذه القضية لم يكن من عند النبي ولا بهواه إنما هو أمر الله سبحانه . مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ واللينة هي كل نخلة لينة لما تمت وتيبس ، وقيل : هو اسم لنوع من أجود التمر في المدينة ونخلتها تسمى اللينة . فالرسول إذن يعمل بأمر الله وحكمه ، وإذا ما طبق المؤمنون أوامره وأطاعوه فإنما ينفذون إرادة الله ، ويُجرون أحكامه وشرائعه ، فلا داعي أن يُصْغُوا لتلك الشبهات والشائعات لأنها تجعل الإنسان مُشاقًّا له ولرسوله ، وما دام أمر القيادة الرسالية هو أمر الله فالمسلمون ملزمون بالتسليم له ، ثم إن هذا القرار لا يدور في الفراغ والعبث ، إنما يرتكز على خلفيات وأهداف
هامش
( 1 ) الدر المنثور : ج 6 ص 187 .