كتاب آخر ، إنما ينطلق من موقفهم العدائي تجاه الله والقرآن والرسول ، فقد تآمروا على النبي ونقضوا عهدهم مع المسلمين ، وسعوا للتحالف مع كفار مكة ومشركيها ضدهما ، ذلك أنه لما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ، ونكثوا ، وطمعوا فيهم ، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة وحالفوا أبا سفيان عند الكعبة « 1 » ، فأهل الكتاب إذا التزموا بكتابهم ، وعهودهم ، فإنهم محترمون في الإسلام ، أما إذا كفروا ، وتآمروا ، فقد خرجوا من ذمة الإسلام ، ووجب قتالهم ، وإجلاؤهم عن بلاد المسلمين ، وهذا ما حدث بالضبط مع يهود بني النضير وغيرهم . وهذا الرأي أقرب من تفسير كَفَرُوا بأنه عدم اعتناق الإسلام ، لأن الله لا يكرههم عليه ، ولا يعتبر كونهم من النصارى أو اليهود مبررا لقتالهم . أبدا ، بل يفرض لهم حق العيش بأمن في ذمة الإسلام والمسلمين ، ويدافع عنهم كأي مواطن مسلم ، عهود وحدود مفصلة في كتب الفقه ، فهذا أمير المؤمنين عليه السلام يتألم للمسلمة المعتدى عليها في ظله كتألمه على الأخرى الكتابية لا يفرق بينهما فيقول :
« وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ والأُخْرَى المُعَاهِدَةِ فَيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وقُلُبَهَا وقَلَائِدَهَا ورُعُثَهَا مَا تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلَّا بِالِاسْتِرْجَاعِ والِاسْتِرْحَامِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ مَا نَالَ رَجُلًا مِنْهُمْ كَلْمٌ ولَا أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ ، فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِنْ بَعْدِ هَذَا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً »
« 2 » .
هذا هو واقع الإسلام ، والمنطلق السليم الذي ينبغي اعتباره في تحليل التاريخ ، ومواقف المسلمين من أهل الكتاب ، أما الأحقاد الموجهة ضدهما من الصهيونية والصليبية فهي لا تتأسس إلا على الحسد والأهواء والمصالح . بلى ؛ إذا حرَّف أهل الكتاب كتابهم ، وتحولوا إلى مسيرة مناقضة لقيمه الحقيقية ، وإلى حرب الإسلام وقيادته واتباعه وجبت محاربتهم ، لأنهم حينئذ ليسوا من رسالات الله وأنبيائه على شيء .
ونعود إلى أول الآية عند قوله : هُوَ ونتساءل لماذا يثبت الله إرادته ويؤكدها في هذا الموضع بالذات ؟ .
أولًا : لأن الانتصارات والمكاسب التي يحرزها المؤمنون إنما هي بإرادة الله .
ثانياً : وتأكيد القرآن على هذه الحقيقة يكون أشد ضرورة خاصة وأن هذه الآيات تبحث حادث إجلاء اليهود الذي تم من دون قتال عسكري ، وما تلاه من أحكام توزيع الفيء ، الذي خُصَّ به النبي صلى الله عليه وآله فريقا من الناس دون آخرين ، وأثار حولها المنافقون الشبهات ، فإن تذكير المسلمين بأن الإجلاء جاء نتيجة إرادة إلهية ، ومن دون قتال يوحي بأن الله هو الذي
هامش
( 1 ) مجمع البيان : ج 9 ، ص 387 .
( 2 ) نهج البلاغة : خطبة 27 .