أخرج الأعداء ، وأن المكاسب المادية في الفيء يتصرف فيها النبي كيف يشاء ، الأمر الذي يبطل شبهات المنافقين حول تقسيم الفيء .
ثم يؤكد دور الإرادة في نصرة المسلمين وجلاء اليهود ، وكيف أنها رغم الظروف والظنون المعاكسة غيَّرت المعادلة ، فلم يكن المسلمون وهم يلاحظون قوة اليهود ويلاحظون قدراتهم المحدودة من جهة أخرى يظنون أن اليهود سوف يخرجون ، ثم إن اليهود من جانبهم وهم المدججون بالسلاح ، وأصحاب الخيرات ، والمحصنون بالقلاع ما كان يخطر على بالهم أن قوة تستطيع الانتصار عليهم وإخراجهم مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، كما أن الغرور بلغ باليهود حدًّا تصوروا أنهم يمتنعون حتى من قدرة الله وإرادته ، أما المنافقون واليهود أنفسهم والذين ينظرون إلى الحياة بمقاييس مادية ظاهرة ، ولا يحسبون للغيب حسابا ، فقد جزموا بانتصار جبهتهم وهزيمة حزب الله ، بل راح المنافقون يكاتبون بني النضير ، يشجعونهم على الصمود .
ولو أننا درسنا قضية الصراع الإسلامي الصهيوني القائم اليوم بكل أبعاده لوجدناه صورة أخرى لهذه الآية الكريمة ، فبعض المسلمين اليوم يزعمون أن اليهود لا يخرجون من فلسطين ، الأمر الذي دفع الكثير منهم إلى الاستسلام ورفع راية التطبيع . والصهاينة الذين تدعمهم القوى الاستكبارية يجدون أنفسهم محصنين ضد أي قوة ، وأنهم أقوياء ، ويدفعهم هذا الغرور ليس إلى الإصرار على البقاء في فلسطين ، بل يثير فيهم الأطماع التوسعية أيضا .
ولكن قوة الله فوقهم وسوف يهزمهم بجنده وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ الإسراء : 7 ] . وسيأتي اليوم الذي يتأكد للصهاينة الغاصبين ومن يدعمهم أن قوتهم لا تغني عنهم شيئا ، فإن الله يعلم نقاط ضعفهم ، ولديه من الأساليب والمكر ما لا قِبَل لهم به ، فقد اغتر آباؤهم وأسلافهم وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنْ اللَّهِ فاعتمدوا على العوامل الظاهرية ، وخططوا على أساسها ، بما هو في نظرهم خطة محكمة ، لا يمكن تحديها ، ولكن غاب عنهم الكثير من الحتميات والحقائق فلم يحسبوا لها حسابا ، وما عسى يبلغ البشر من العلم حتى يحيط بكل شيء ؟ ! فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ، قال أغلب المفسرين : بأن قذف في قلوبهم الرعب ، والذي يُظْهَرُ أن ما لم يحتسبوه كان شيئا آخر غير الرعب إذ لو كان الرعب لأتى التعبير ( فقذف ) والحال أنه قال بعدها : وَقَذَفَ ، ولعلهم اغفلوا في خططهم حتى بعض الجوانب الظاهرة مما يدل على أن القوى الظاهرة المستكبرة والطاغية لا تستطيع سد كل الثغرات في كيانها مما يسمح للمؤمنين دحرهم من خلالها ، فمثلا حصون اليهود في أطراف المدينة المنورة كانت تقاوم بعض الحملات الطائشة التي تشنها الأعراب ضد المناطق الآهلة ولكنها لم تكن لتصمد أمام قوة رسالية يقودها قائد فَذٌّ .
من هدى القرآن — صفحة 366
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٦٦