الخامس للمنافقين الذي يتصل بهم ، فقال لمحمد بن مسلمة الأنصاري : [ اذهب إلى بني النضير فأخبرهم أن الله عز وجل قد أخبرني بما هممتم به من الغدر فإما أن تخرجوا من بلدنا وإما أن تأذنوا بحرب ، فقالوا : نخرج من بلادك ، فبعث إليهم عبد الله بن أبي ( رأس النفاق ) أَلَّا تخرجوا وتقيموا وتنابذوا محمدا الحرب فإني أنصركم أنا وقومي وحلفائي ، فإن خرجتم خرجتُ معكم وإن قاتلتم قاتلتُ معكم ( وكان يطمع في غلبتهم على المؤمنين لما فيه من المصلحة المادية له ولأعوانه ) ، فأقاموا وأصلحوا حصونهم وتهيؤوا للقتال وبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله : إنا لا نخرج فاصنع ما أنت صانع . فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وكبَّر وكبَّر أصحابه وقال لأمير المؤمنين عليه السلام تقدم إلى بني النضير ، فأخذ أمير المؤمنين عليه السلام الراية وتقدم ، وجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأحاط بحصنهم ( يحاصرهم اقتصاديًّا ومعاشيًّا واجتماعيًّا ليستسلموا ، ولكيلا يتصلوا بقريش فتدعمهم ) ، وغدر بهم عبد الله بن أبي وكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا ظهر بمقدم بيوتهم حصنوا ما يليهم وخربوا ما يليه ( حتى لا ينتفع به في شيء ) وكان الرجل منهم ممن كان له بيت حسن خربه ( كما تفعل الكثير من الجيوش حينما تنسحب من أي مدينة أو منطقة ) وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر بقطع نخلهم ( حتى لا يستفيدوا منها في أكل ولا تحصُّن ) فجزعوا من ذلك وقالوا : يا محمد إن الله يأمرك بالفساد إن كان لك هذا فخذه وإن كان لنا فلا تقطعه ، فلما كان بعد ذلك قالوا : يا محمد نخرج من بلادك وأعطنا ما لنا ( مما دل على ضعفهم وتنازلهم عن موقفهم السابق ) ، فقال : لا ، ولكن تخرجون ولكم ما حملت الإبل ، فلم يقبلوا ذلك فبقوا أياما ، ثم قالوا ( وقد ضعفوا وتنازلوا أكثر ) : نخرج ولنا ما حملت الإبل ، فقال : لا ، ولكن تخرجون ولا يحمل أحد منكم شيئا فمن وجدنا معه شيئا من ذلك قتلناه ( وكان هذا الموقف الحازم والمتصلب من القيادة الرسالية يؤكد في نفوسهم الضعف وقوة المسلمين ) ، فخرجوا على ذلك ووقع قوم منهم إلى فدك ووادي القرى وخرج منهم قوم إلى الشام ] « 1 » .
وتحققت للرسول بذلك ثلاثة أهداف : قضاؤه على عدو خطير أولا ، وقطع دابر المنافقين المعتمدين عليهم وآمالهم ، وإضعاف جبهتهم ثانياً ، وكسب الهيبة بين الأعداء المتبقين كقريش ثالثاً ، وفي البعد الاستراتيجي طهَّر شبه الجزيرة من الوجود اليهودي .
بينات من الآيات :
[ 1 ] معرفة الله أعظم باعث للإنسان نحو عبادته والتسليم له ، وخير ضمانة للاستقامة على ذلك ، ومنهج معرفته تنزيهه عن الشريك ، ومعرفة أسمائه الحسنى لنعرف أنه سبحانه أهل
هامش
( 1 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 359 ، بحار الأنوار : ج 20 ص 168 .