تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
للعبادة فتسلم له نفوسنا وعقولنا وجوارحنا وقد ألهم ربنا كل شيء قدرا من نور معرفته ، فإذا بكل شيء يسبح بحمده ، وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ [ الإسراء : 44 ] . سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ تسبيحاً تكوينيًّا بما فيها من عجز ومحدودية ، اللذين يعنيان افتقارها إلى الخالق والمدبر ، وتسبيحا عمليا حيث خضع كل شيء لإرادته وسننه ، واستجاب لأمره ونهيه ، تسبيحا ناطقا كل بلسانه ، ولو أن مخلوقا مختارا كالإنسان تمرد فلم يستجب لله ، ولم يتلفظ بذكره ، فإنه لا يستطيع الخروج عن تسبيحه بصورة تكوينية كما يقاوم إرادته وسننه ، بل ولا يمكنه البقاء على ذلك إلى الأبد ، فإذا لم يستجب بإرادته واختياره فسوف يخضع بكل وجوده في القيامة حيث يكون الدين لله . وشذوذ الإنسان عن مسيرة الوجود من حوله إذا رفض الاستجابة لربه لا يغير من شأنه عز وجل شيئا ، فهو بذاته منزه سواء سبَّحه خلقه أم لا ، ذلك لأن تعاليه وسموه عن الشريك والعجز والمحدودية حقائق ذاتية وليست مكتسبة . وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ تتجلى عزته وحكمته في الوجود ، وفي مسيرة البشرية ، وفي كتابه الذي تجلى فيه لخلقه ، ويؤكد القرآن هاتين الصفتين في مطلع السورة وخاتمتها لما في آياتها من تجلياتهما ، ففيها الحديث عن هزيمة أعدائه ، وعن غلبته ورسله عليهم الذي يعكس عزته ، وفيها بيان لتدبيره وحكمة بعض أحكامه وتشريعاته . [ 2 ] ويذكِّر القرآن بإحدى الحوادث التاريخية ، التي تعكس بأحداثها وآثارها عزة الله وحكمته ، حيث يضع أمامنا صورة واقعية لغلبته ورسله ، ويفصل فيها القول مما يجلي عزته وحكمته ، فبعزته كتب الهزيمة على أعدائه ، والنصر لرسوله وللمؤمنين ، وبحكمته أعطى هذا النصر الكبير للمسلمين من دون تضحيات . هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ والحشر هو الجمع والسوق إلى جهة ما ، وفي المنجد حشره عن بلاده : جلاه ، والجمع أخرجه من مكان إلى آخر وفي هذه الآية والآية الثالثة إشارة إلى أنه الإخراج مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا ، والإجلاء كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَلاءَ والمعنى : أنه تعالى أخرج اليهود لأول جلاء لهم من شبه الجزيرة مرحلة أولى ، يتبعها جلاء بعد آخر حتى لا يبقى منهم أحد ، وقد حدث ذلك بالفعل لما قويت شوكة المسلمين ، وأحس اليهود بالخطر ، وأن جلاءهم يمتد إلى حشر القيامة دون رجعة إلى ديارهم . وقد قال تعالى : الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ولم يقل : أهل الكتاب . لماذا ؟ ، لعل ذلك لأن حرب الله عليهم ، وموقف حزبه منهم لا ينطلق من عنصرية ولا حسد ، باعتبارهم أهل
من هدى القرآن — صفحة 364 | السيد محمد تقي المدرسي