أجل إعلاء كلمة الحق ، وهم حزبه بحق وصدق .
وأهم ما يميز حزب الله هو تجرد أفراده للحق تعبدا لله ، وتسليما لرسوله عن قناعة ثابتة ورضا ، فإنك لو فتشت في قلوبهم ، وسلوكاتهم السياسية ، وحتى الاجتماعية لما وجدت أثرا لتولي أعداء الله في حياتهم أبدا ، لأن تحزبهم مخلص له وحده تعالى ، لا يتنازلون عن هذه القيمة الأساسية ، ولا يساومون عليها أحدا مهما كان قريبا منهم ، لوعيهم العميق بدور التولي في تحديد شخصية الإنسان ، وهويته الحقيقية ، وانتمائه ، كما قال الله : لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ إيمان قناعة وتوحيد ، أو يوقنون بالحساب والجزاء وَالْيَوْمِ الآخِرِ إنك لا تجد من هذه صفتهم ؛ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فذلك شرك وكفر لا تقبله نفوسهم المؤمنة بالله ، وذنب عظيم يخشون غضب الله عليهم بسببه في الآخرة ، والحال أنهم يبحثون عن السعادة والفلاح فيها . وبالنظر إلى الآية من زاوية أخرى يكون المفهوم أن الذي يتولى أعداء الله أو يحبهم ليس من المؤمنين ، وأن أهم العوامل التي تدفع المنافقين ومرضى النفوس إلى الإقدام على ذلك هو شكهم في الله والجزاء ، وكفرهم بهما ، وأنهم استبدلوا الإيمان بالله بالشرك والكفر ، والدنيا بالآخرة . أما المؤمنون الصادقون ( حزب الله ) فهم يتولون ربهم وخلفاءه من القيادات الرسالية ، ويمنعهم إيمانهم به وبالآخرة أن يتولوا من حاده .
وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ لأنهم لا تعمل العواطف ولا الضغوط في شخصياتهم وسلوكاتهم ومواقفهم ، إنما يبحثون عن الحق ويطبقونه ، وعن القيادة الكفوءة المحقة فيوالونها ، وعن التجمع الرسالي فينتمون إليه ، ويسُخرِّون كل إمكاناتهم من أجل ذلك ، لا تأخذهم في الله لومة لائم . ولا ريب أن ذلك أمر تصعب دونه التحديات التي تحتاج إلى الإرادة القوية ، والتوفيق من الله ، ولذلك أكد القرآن بالقول : أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ أي أثبت الله الإيمان في نفوسهم ، لما وجده فيهم من الأهلية ، حيث تجردوا له وللحق من كل شيء سواهما . والإيمان الذي يكتب في القلب هو الأهم والأرسخ والأصدق من الذي يظهر في الجوارح .
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ فاجتمعت فيهم ثلاث قوى : ( إرادتهم + قوة الإيمان + تأييد الله ) ، فإذا بهم ينتصرون على التحديات ، ويخرجون من أمتن الصِّلات وأعمق الانتماءات تجذرا ( الصلة بالآباء والأبناء والإخوان ، والانتماء إلى العشيرة والوطن والقومية ) إلى الانتماء الرسالي والصلة بالحق وأهله . ويبدو أن هذه الكلمة تعاكس تلك التي ذكرت في صفات المنافقين من أن الشيطان استحوذ عليهم فأنساهم ذكر الله ، فهناك لا تجد ذرة من الاستقلال والعزة والإرادة ، ولا تجد هنا شيئا من التراخي والضعف والذل ، وليس الفاصل بينهما إلا الإيمان الحق برب العزة .
من هدى القرآن — صفحة 352
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٢