إليه ، لمعاداتهم الله بترك رسالته ، ومعاداتهم رسوله بمعصيته وترك التسليم لقيادته ، حيث يصيرون من أكثر الناس ذلة وصغارا .
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ لأن الله اختص بالعزة وخص بها رسوله والمؤمنين ( حزب الله ) وليسوا منهم ، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمْ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ النساء : 139 ] ، ثم إن السبيل إلى العزة الحقيقية هو تطبيق الحق ، وليس اتباع الباطل والأهواء ، وقد نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، واتبعوا الشيطان .
ولعل الآية تهدينا إلى أن هؤلاء المنافقين يعيشون في داخلهم شعور الضعة والحقارة والذل ، مما يدفعهم بناءً على ظنونهم وتصوراتهم الخاطئة إلى التولي لأعداء الله بحثا عن القوة والعزة ، ويتمسك المؤمنون الصادقون بولائهم وانتمائهم لله ولحزبه وقيادته ، لاعتقادهم الراسخ بأن ذلك هو السبيل إلى العزة والقوة ( الفلاح ) .
وتظهر ذلة الكفار بصورة أجلى حينما يصب الله عليهم العذاب المهين ، فلا تبقى لهم كرامة بين الناس ، ولا في أنفسهم ، إلا أن مشيئته تعالى بإذلالهم ليست محصورة في الآخرة ، وكذلك عزته لحزبه ، بل هما مفروضتان ومحتومتان في الدنيا أيضا ، وتتجليان في نصره سبحانه لحزبه ، وأن ذلك حق محتم ، خلق الله الحياة على أساسه ، وفرضه بإرادته .
كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي أي فرض وأثبت ، كقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ [ البقرة : 183 ] ، وكُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ [ البقرة : 216 ] ، ولا مبدل لما يكتب الله ، لأنه الإرادة المطلقة . وفي الآية تأكيدات أربعة : الفعل كَتَبَ ، ولام التوكيد ، والنون في لأَغْلِبَنَّ ، والضمير المنفصل أَنَا ، وكل ذلك حتى يطمئن المؤمنون بنصر الله لهم رغم كل التحديات ، والظروف المعاكسة ، حيث يقفون بالعدد القليل ، والعدة المحدودة ، في مقابل حزب الشيطان بأعداده الكثيرة وإمكاناته المادية والمعنوية الهائلة ، ويعلمون أنهم سيُنصرون عليه ، وستكون الغلبة لصالحهم ، لأنهم إن قلُّوا ، وقلَّت إمكاناتهم ، مؤيدون بإرادة الغيب المطلقة .
إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ لا يغلبه أحد ، وينتصر على كل عدو ، عَزِيزٌ لا يقبل الذلة لنفسه ولا لرسوله وأوليائه والمؤمنين ( حزبه ) . وهذه تأكيدات ثلاثة أخرى : إِنَّ ، قَوِيٌّ ، عَزِيزٌ ، وما أحوج الحركات الرسالية التي تقف اليوم بإمكاناتها المحدودة تقاتل المستكبرين وأذيالهم من الأنظمة الفاسدة ، ما أحوجها أن تتطلع إلى هذه الآية الكريمة ، وتجعل منها بلسما
من هدى القرآن — صفحة 350
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٠