أنى وجدوه ، فهو تطلعهم الأعظم الذي لا يبالون بالتضحيات من أجله ، ويسترخصون كل شيء سواه ، لأنهم باعوا أنفسهم له تعالى ، وجعلوها رهن رضاه ، فتحزبوا ( ناصروا وتوحدوا ) من أجله ، تحت لواء الحق ، والقيادة الرسالية ، وفي تجمع المؤمنين ، يحبون ما يحب ويعملون به ، ويبغضون ما يبغض ويتناهون عنه ، ومقياسهم في معرفة الباطل ومصاديقه ( أعداء الله ورسوله ) هو الحق المتمثل في الرسالة ، والقيادة الإلهية المتجسدة في الرسول ، والأئمة ، والعلماء المخلصين من بعدهم .
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ لأنهم متجردون له وللحق ولقيادة الصالحين ، أعمق حتى من تمحض المنافقين للشيطان وللباطل ولأئمة الكفر ورموزه . والذي يبحث عن الخط الرسالي الأصيل ويريد الانتماء إليه ، فإنه متجسد في الحركات الإلهية المخلصة ، القائمة على مقاطعة أعداء الله وحربهم بعيدا عن العلاقات والتحالفات المشبوهة ، وعلى أساس الحق لا العنصرية ، والقومية ، والإقليمية ، وما أشبه ، ولا على أساس الصنمية لأحد ، فذلك كله شرك خفي . وكما أن أفراد حزب الله الحقيقيين لا يوادون من حاد الله ، فإنهم من جانب آخر لا يحادون من واده وأحبه ، فليس من حزبه أولئك الذين ينصبون العداء لأوليائه والمؤمنين به ، ولا الذين يتخذون تجمعهم بذاته مقياسا لمعرفة الحق والباطل ، لأنها قيمة جاهلية يرفضها المؤمنون من حزب الله ، إنما مقياسهم الحق نفسه ، والقيادة التي تلتزمه وتصيبه في آرائها ومواقفها . وقوله تعالى : أُوْلَئِكَ يشير إلى الصفات الآنفة الذكر يهدينا إلى أن الإنسان والتجمع لا يكون من حزب الله في شيء بالمظاهر كالشكل والاسم ، إنما بالمضامين والصفات ، وعليه فإن حزب الله ليس كل حركة تتبنى هذا الاسم ، بل الحركة التي تجسد تلك الصفات في واقع الحياة فرديًّا وجماعيًّا ، ولو أن شخصا انتمى إلى التجمع المؤمن ، ولكنه لم يجسدها ، فهو ليس منه أبدا رغم انتمائه الظاهري .
ومن كلمة حِزْبُ نهتدي إلى أنهم منسجمون مع بعضهم متآلفون ، تربطهم الوشائج المتينة الإنسانية والإيمانية ، فإنك لا تجد في أنفسهم حِقداً ولا غِلًّا ولا إصْراً على بعضهم وعلى إخوانهم المؤمنين ، ولا مظهراً لروح الفردية . وعلى أساس هذا التعريف الواسع لحزب الله فإنه لا يمكن أن نحصر مصاديقه في جماعة معينة ، إنما هو جبهة كل المؤمنين الصادقين . وتلك القيم والصفات هي التي يتحصلون بها على السعادة .
أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمْ الْمُفْلِحُونَ والفلاح هو السعادة بالنجاح في الوصول إلى الأهداف الحقيقية للإنسان ، وفلاح حزب الله في الدنيا بالإيمان وثمار تطبيق الحق والالتزام به ، وبالانتصار على حزب الشيطان ، وفي الآخرة بجنات الله ورضوانه .
من هدى القرآن — صفحة 354
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٤