أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْكَاذِبُونَ عند أنفسهم إذ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ، وعند الله الذي لا تخفى عليه خافية . وحلفهم الباطل هو جزء من كذبهم . والآية تهدينا إلى نسف قاعدة النفاق ألا وهي زعم أن الإيمان هو هذه الممارسات القشرية ، هذه اللحى المرسلة ، والثياب القصيرة ، والشعارات الفارغة ، والأيمان المغلظة ، والمبالغة في ادعاء الالتزام بالدين ، كلا . . إن كل ذلك ليس من الإيمان في شيء ما دام في القلب مودة للكفار ، وولاء لهم !
لأن الإيمان - أصل الإيمان - هو تولي الله وأوليائه ، والبراءة من أعداء الله .
[ 19 ] ثم يبين القرآن واحدا من العوامل الخفية والمهمة التي تقف وراء شخصيتهم التافهة . إنه استسلامهم للشيطان ، يسوقهم سوقا حثيثا حيث يشاء اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ لأنهم ضعفوا أمام إغراءاته وتحريضاته وأساليبه ، والشيطان ليس الجني وحسب ، بل هو كل أحد يدعو الإنسان إلى معصية ربه ، كعلماء السوء ، ووسائل الإعلام المضللة ، والأنظمة المنحرفة ، وكذلك الأحزاب والحركات الضالة . ولا يتسلط على أحد ما دام يملك الإيمان . أوليس الإيمان حصن الاستقلال ؟ أو جنة للفؤاد من الفتن والشهوات ، فإذا فقد البشر ثقته بالله وتوكله عليه عند عصف الشهوات ، وتواصل الضغوط ، فأنى له الصمود ؟ إنه يُضحي كما الريشة في بؤرة الزوبعة ، فاقدا لأية إرادة أو أصالة وتفكير ، يستسلم لمن يسوقه من شياطين الجن والإنس .
والإنسان لا يمكن أن يعيش فراغاً قياديًّا ، فهو إن لم يناصر الحق ، ويوالي قيادته ، وينتمي إلى تجمعه ، نصر الباطل ، ووالى رموزه ، وانتمى إلى تياره ، وقد رفض المنافقون الخط الأول ، واتبعوا أهواءهم وشهواتهم ، فوقعوا في أشراك الشيطان ، وتمكن منهم إلى أقصى حد .
وقالوا في معنى كلمة اسْتَحْوَذَ أنها من أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض ، وإذا جمعهم فقد غلبهم وقوي عليهم . وقال بعضهم : [ أنه من الحوذ وهو ظاهر فخذ الإبل حيث تساق من خلال ذلك المحل ] . والمراد واضح وهو الغلبة عليهم .
فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ في قلوبهم وسلوكهم وواقعهم العملي . وحيث إن في ذكره تعالى كل الربح والفلاح ، فإن نسيانه خسارة عظيمة للإنسان ، وإن الشيطان ليبدأ في الإضلال من أصغر الأمور خطوة بعد خطوة حتى يتمكن من صاحبه ، ويستخدم لذلك شتى الأساليب الماكرة ، وأهمها تزيين الدنيا والذنوب لديه ، وإثارة التمنيات في قلبه ، وبعثه نحوها ، ومزج الحق بالباطل . قال أمير المؤمنين عليه السلام :
« أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ الله ، يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالًا ، فَلَوْ أَنَّ البَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجًى ،
من هدى القرآن — صفحة 348
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٤٨