والرسول صلى الله عليه وآله وكذلك كل مؤمن يعرف ربه حق المعرفة ويعقل هذه الحقيقة بعمق ، وبالتالي فهو لا يخشى من نجوى الأعداء ، بل يتوكل على ربه ، ويطمئن إلى أنها لا تضره إلا بإذنه عز وجل ، وأن الغلبة ستكون للحق رغم المؤامرات .
أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وهذا الاستفهام للتقرير ، فالمعنى : أنك لا بد أن تعلم يقينا ، كما يعلم الذي يرى شيئا بعينه ، ولكن كيف نعلم بهذه الحقيقة علم من يرى شيئا ؟ إنما بالنظر في آيات الله في الخليقة ، فكل ما في السماوات والأرض يشهد على أنه سبحانه حي قيوم شاهد حاضر . أَوَيُمكن لأحد أن يدبر هذه الكائنات بهذا النظام الحسن الدقيق من دون أن يحيط علما وقدرة بها ؟
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وتصريح السياق بعدد الثلاثة والخمسة ، وإن كان ينبغي حمله الآن على التمثيل ، إلا أنه لا ريب له حقيقة خارجية في التاريخ من واقع المنافقين ، على أن الجلسات تتم عادة بالثلاثة والخمسة وأي عدد وتر لما فيه من إمكانية التصويت بسهولة . وقال بعضهم : إن في هذا التعبير بلاغة نافذة إذ لم يتكرر العدد ، ونجد نظيره في القرآن ، ولكن القرآن لم يحصر علم الله بهذا العدد فقال : وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا خارجا عن الحد عددا وزمانا ومكانا ، لأنه سبحانه قد تعالى عن الكيف والأين والعدد التي هي من صفات المخلوق .
قال الإمام علي عليه السلام :
« فَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ اسْتِيلَاءَ أُمَنَائِهِ بِالقُدْرَةِ الَّتِي رَكَّبَهَا فِيهِمْ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ وَأَنَّ فِعْلَهُمْ فِعْلُهُ »
« 1 » . وقال الإمام الصادق عليه السلام في تفسير هذه الآية :
« هُوَ وَاحِدٌ وَاحِدِيُّ الذَّاتِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ ، وبِذَاكَ وَصَفَ نَفْسَهُ ، وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ بِالإِشْرَافِ والإِحَاطَةِ والقُدْرَةِ ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ ولا أَكْبَرُ بِالإِحَاطَةِ والعِلْمِ لَا بِالذَّاتِ ؛ لِأَنَّ الأَمَاكِنَ مَحْدُودَةٌ تَحْوِيهَا حُدُودٌ أَرْبَعَةٌ ، فَإِذَا كَانَ بِالذَّاتِ لَزِمَهَا الحَوَايَةُ »
« 2 » . وقال عليه السلام يحدث عن الله :
« أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ ، وكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ ، وكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ ، وكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلَاصُ لَهُ ، وكَمَالُ الإِخْلَاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَةٍ أَنَّهَا غَيْرُ المَوْصُوفِ وشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوفٍ أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ ، ومَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ ، ومَنْ ثَنَّاهُ فَقَدْ جَزَّأَهُ ومَنْ جَزَّأَهُ ، فَقَدْ جَهِلَهُ ، ومَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أَشَارَ إِلَيْهِ ، ومَنْ أَشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ ، ومَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ ، ومَنْ قَالَ : فِيمَ ؟ فَقَدْ ضَمَّنَهُ ، ومَنْ قَالَ : عَلَامَ ؟ فَقَدْ أَخْلَى مِنْهُ . كَائِنٌ لَا عَنْ حَدَثٍ ، مَوْجُودٌ لَا عَنْ عَدَمٍ ، مَعَ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُقَارَنَةٍ ، وغَيْرُ كُلِّ شَيْءٍ لَا بِمُزَايَلَةٍ ، فَاعِلٌ لَا بِمَعْنَى الحَرَكَاتِ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 3 ، ص 310 .
( 2 ) الكافي : ج 1 ، ص 126 .