هدى من الآيات :
لكي يتحسس القلب شهادة الله على كل شيء فيتجنب خواطر السوء ، ويتقي وساوس الشيطان ، ويتحصن ضد النفاق والتآمر ضد الإسلام والقيادة الشرعية ، جاءت آيات الذكر ترينا علم الله بما في السماوات وما في الأرض ، وتُبصِّرنا بحضورنا عنده ، فما من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، ولا خمسة إلا هو سادسهم ، وأنه جل شأنه معنا أينما كنا ، ثم تحذرنا من حسابه وجزائه يوم القيامة .
ولعل هذه الآية هي محور سورة المجادلة التي تذكر بالحضور الإلهي ، وما أعظمه رادعا عن المعاصي ، وباعثا نحو الطاعات ؟ ولكن لا يدع السياق القضية بلا شرائع تتجلى فيها شهادة الله ، إذ يرينا كيف تآمر المنافقون ( الذين لم يراقبوا ربهم ) فتناجوا بالإثم والعدوان ، ومعصية الرسول ، ولم يراعوا آداب التعامل مع الرسول ، ثم نهى القرآن المؤمنين من التناجي بالإثم والعدوان ، وأمرهم بأن يتناجوا بالبر والتقوى ، وذكَّرنا بأن النجوى من الشيطان ، وهدفه من ذلك بعث الحزن في قلوب المؤمنين ، الذين طمأنهم السياق بأنه ليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله ثم أمرهم بالتوكل عليه . لأن هدف المنافقين من تآمرهم التعالي على المؤمنين كما يبدو فإن السياق أشار إلى سيئة من سيئات سلوكهم متمثلة في اختيار صدر المجالس والتسمر فيها ، فأمر الله المؤمنين بالتفسح في المجالس ، وذكَّرهم بأن العزة ليست بالمجالس القريبة من الرسول ، وإنما بالإيمان والعلم .
كما أشار إلى مزاحمتهم للرسول بالنجوى معه ( لإظهار أنهم الأقرب إليه ) فأمر المؤمنين بدفع الصدقات قبل النجوى معه ، ثم ألغى هذا الأمر بعد أن عرف المنافقين ، بل علم خواء كثير من نجوى غيرهم مع الرسول ، وعدم أهميتها عند أصحابها ، لأنهم أشفقوا من تقديم الصدقات قبلها .
بينات من الآيات :
[ 7 ] دليلًا لشهادة الله على كل شيء - هذه الحقيقة التي ذكرتها الآية الأخيرة من الدرس الفائت - يذكِّرنا الله بأنه حاضر ، ذلك لكيلا يظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنهم يحيكون مؤامراتهم السرية بعيدا عن علمه ، وبالتالي أن مكرهم فوق مكره ، كلا . . فهم إن استطاعوا التناجي بالإثم والعدوان والمعصية بعيدا عن سمع القيادة والمجتمع وعلمهما ، فإن الله يعلم بكل شيء ، وسيؤيد المؤمنين وينصرهم رغم المؤامرات ، وعدم إيمان أحد بهذه الحقيقة لا ينفيها ، بل سيعلمها الجميع يقينا يوم القيامة ، حينما يخبرهم الله بما عملوا .
من هدى القرآن — صفحة 333
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٣٣