والآلَةِ ، بَصِيرٌ إِذْ لَا مَنْظُورَ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ ، مُتَوَحِّدٌ إِذْ لَا سَكَنَ يَسْتَأْنِسُ بِهِ ولَا يَسْتَوْحِشُ لِفَقْدِهِ »
« 1 » .
بهذه البصائر الإيمانية ينبغي أن نفهم أسماء الله ، وبها نفسر كتاب الله ، وبالذات قوله في هذه الآية رَابِعُهُمْ ، سَادِسُهُمْ ، مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ، بعيدا عن التصورات البشرية المحدودة والفلسفات الضالة المنحرفة ، والعقائد الشركية .
ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يعزب عنه مثقال ذرة أبدا ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . وهذه الآية تنطوي على تحذير للمنافقين والمتآمرين على الحق على مر التاريخ ، كما أنها تُنمِّي عند المؤمنين روح الحذر والتقوى .
[ 8 ] ولأن الله محيط بكل شيء علما فإنه لا يدع مكائدهم تلعب دورها المشؤوم في مسيرة الأمة ، وإنما يبطلها بإرادته وعلى أيدي المؤمنين ، ويفضحها بوسيلة أو بأخرى ، كان يلقي أمرها روح المؤمنين . أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ إصرارا على مكائدهم المشؤومة ، والتناجي هو الحديث على غير مسمع من الآخرين ، وليست النجوى محرمة في الدين إلا إذا كانت مضامينها وآثارها لا ترضي الله عز وجل ، أما إذا كانت تنطوي على الخير والصلاح فهي مباحة ، بل قد تكون واجبة كما في عصر الطاغوت ، باعتبارها تحفظ خطط المؤمنين ، وأشخاصهم ، وإمكاناتهم ، بعيدة عن علمه وكيده وردَّات فعله ، لذلك لم ينه الله الذين آمنوا عنها بل نهاهم من جهة عنها إذا كانت ذات مضامين سيئة ، وأمرهم بها إذا كانت مضامينها إيجابية ، ونهى المنافقين عنها لأنهم اتخذوها وسيلة لمحاربة الحق وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ هذه إشارة إلى ثلاثة أنواع من الذنوب المحرمة وهي :
أولًا : المعاصي التي يخالف الإنسان بها الشريعة في سلوكه ، كشرب الخمر ، وأكل الحرام ، والكذب والغش ، والإدلاء بالأموال إلى الحكام الظلمة ، قال تعالى : اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنْ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [ الحجرات : 12 ] أي ذنب ، وقال : وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدْ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً [ النساء : 112 ] ، وقال : وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً [ النساء : 48 ] ، والإثم فعل ما لا يحل .
ثانياً : التجاوز على حرمات المجتمع والأمة ، كالاعتداء على حقوق الناس وأموالهم وأعراضهم .
ثالثاً : شق عصا الطاعة للقيادة الرسالية التي يمثلها يومئذ الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، وهي لا تزال معصيتها رغم تبدل مصاديقها في الواقع الاجتماعي معصية للنبي ، لأنها امتداده
هامش
( 1 ) نهج البلاغة : خطبة 1 .