الطبيعي في أجيال الأمة .
وهذه الأنواع الثلاثة من الذنوب تعد اعتداءً على حدود الله ، وقد جعلها المنافقون محور نجواهم ، وهي متتالية ، إذ إن مجالس المتآمرين - أنى كانت ، وأنى استهدفت - تنطلق من الإثم ، من العصبية والعنصرية ، من الكذب والافتراء ، من تحقير القيم لحساب الذات ، وإثارة الحساسيات ، وكوامن الشر تنطلق من كل ذلك لتنتهي إلى العدوان واغتصاب حقوق الآخرين ومحاولة التسلط والتعالي عليهم ، وفي ذلك خرق لسنن الله العادلة ، ومخالفة للقيادة الشرعية .
إن هذه الجلسات المشؤومة هي رحم الشبكات الحزبية الضالة التي تخطط للسيطرة على الأمة ، ولولا غياب الإحساس برقابة الله ، وغياب التقوى من الله ، وبالتالي الإنصاف والعدالة ، لما ولدت هذه الجلسات التي لا يهدف المشاركون فيها إلا تحقيق شهواتهم الرخيصة .
وعملية التناجي هي تفاعل بين المنافقين حيث يدفع بعضهم بعضا ، ويدعوه إلى الضلال والتجاوز على الحق ، وتشكيل حركة سرية ترتكز على المبادئ الثلاثة التي تضمنتها النجوى .
وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ إذ كانوا يقولون : السام عليكم ، بمعنى السأم ، أي إنك يا رسول الله سوف تسأم من رسالتك ، أو السام بمعنى الموت عند اليهود ، ومن الطبيعي أن المُسَلِّم إن كان بعيدا ولا يظن أحد فيه سوءا لا يتضح قصده في مثل هذه العبارة القريبة من السلام في ظاهرها وحروفها ، إلا أن الرسول كان متنبها للمنافقين واليهود ، وكان يرد عليهم بكلمة واحدة [ وعليكم ] أي أرد عليكم ما رميتموني به ، وقد فضحهم الوحي بعد ذلك عند كل المسلمين ، ولكي يعلموا هم أنفسهم أن الله بكل شيء عليم ، وأنه يعلم القضايا الظاهرة كقضية المجادلة ، والأخرى الباطنة كنجواهم . وهنالك تفسير آخر للتحية ، وهي أنهم يحيون الرسول ب - ( أنعم صباحا ، وأنعم مساءً ) وهي تحية أهل الجاهلية ، مع أن الله أمرهم بتحية الإسلام في محضر الرسول ( السلام عليكم ) .
وهناك تفسير ثالث أنهم لم يكونوا يحيون الرسول بصفته قائدا للأمة ، وإنما بصفة شخصية كقولهم : ( السلام عليك يا أبا القاسم ) وهذا التفسير أنسب لمفهوم السياق ، بالرغم من أن التفسير الأول قد وردت به نصوص تاريخية ، فقد روي عن عائشة أنها قالت : [ جَاءَ أُنَاسٌ مِن اليْهَوُدِ إِلى النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله فَقَالُوا : السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا القَاسِمِ ، فَقَالتُ : السَّامُ عَلَيْكُمُ وَفَعَلَ اللهُ بِكُمْ ، فَقَالَ صلى الله عليه وآله :
مَهْ يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشْ ،
فَقَالتُ : يَا رَسُولَ الله أَ لَسْتَ تَرَى مَا يَقُولُونَ ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وآله :
أَلَسْتِ تَرَيْنَ أَرُدُّ عَلَيْهِمْ مَا يَقُولُونَ ؟ أَقُولُ : وَعَلَيْكُمْ »
« 1 » .
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 292 .