تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
وربنا لم يفضح ظاهر نفاقهم وحسب ، بل فضح نواياهم وسرائرهم الخبيثة أيضا ؛ حينما أخبرهم بالذي يدور في داخلهم وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ أي لو كان الرسول صادقا بالفعل فلماذا لا يغضب الله له ؟ ويتخذون عدم حلول العذاب بهم ذريعة لإثبات سلامة خطهم ، والإصرار عليه . ويبطل القرآن كون هذا دليلا على صدقهم ، حتى لا يتأثر المؤمنون بدعاياتهم وأفكارهم المضللة ، مؤكدا أنهم يجازون ما يكفيهم من العذاب على ذلك ولكن بعد حين حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ ، والآية تشير إلى أربعة ذنوب رئيسية اقترفها المنافقون وهي : تجاوز نهي الله بالعودة إلى النجوى ، وممارسة النجوى بالإثم ومعصية الرسول ، والتحية السيئة المخالفة للحق ، والافتراء على الله بقولهم في أنفسهم : لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ . [ 9 ] ولا يحرم الله النجوى ( وهو الحديث الخاص والمكتوم ) على المؤمنين ، إنما يحرم اشتمالها على الإثم والمضامين المحرمة ، وإلا فهي مباحة ، بل قد تكون مطلوبة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ لأنها مناجاة المنافقين ، وبهذا النهي يقف الإسلام ضد تنامي حركات سرية مناهضة للنظام الإسلامي . والقرآن يحرم المضامين الباطلة والسيئة للنجوى ، وفي الوقت نفسه يدعو إلى التناجي بالخير والصلاح ، فيما إذا أرادوا التناجي وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى والبر هو الحق والإحسان وسائر المضامين الخيرة المرضية عند الله والتي تقرِّب إليه ، وهو نقيض الإثم ، قال تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [ المائدة : 2 ] ، كما أن التقوى نقيض العدوان ، وذلك أن العدوان ينبعث من انعدام الورع عن محارم الله ، والخوف منه ، ولا بد أن يقاومه المؤمنون من الجذور في شخصيتهم ، وذلك بتركيز تقوى الله في نفوسهم ، كما أن العدوان صورة للتعدي على حدود الله في العلاقة مع المجتمع ، والتقوى هي الداعي الأكبر للالتزام بإحكامه وشرائعه وحدوده . وتأتي أهمية التناجي بين المؤمنين على الصعيد الاجتماعي من كونها وسيلة فضلى إلى النقد البناء ، بالنصيحة ، قال الإمام العسكري عليه السلام : [ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زَانَهُ ، وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَه » « 1 » ، وعلى الصعيد السياسي من كونها استراتيجية مهمة في مواجهة الظالمين والأنظمة الطاغوتية . ثم يؤكد القرآن ضرورة ألَّا تخرج المناجاة بين المؤمنين عن سياق التقوى ، الأمر الذي يتحقق بتحسس رقابته ، وتذكر البعث والجزاء وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ، إن الإحساس بشهادة الله وحضوره مع المتناجين هو الضمان الوحيد لنبذ وساوس الشيطان من جلسات المؤمنين الخاصة ، ذلك أن أكثر الروادع التي تمنع السقوط في وادي الغيبة والتهمة والتعصب لجماعة ضد أخرى تتلاشى
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 71 ، ص 166 .