تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
البشرية القديمة أو المعاصرة ، بدلا عن شريعة الله ، وبالذات أولئك الذين يقصدون العناد والجحود والمحاربة ، فإنهم سوف يلقون جراء محاددتهم الإهانة والذل المركَّز الذي ينضغط في النفس حتى لتكاد تنفجر ، أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ [ المجادلة : 20 ] . كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ممن ساروا بسيرتهم تجاه ربهم ورسلهم . وفي اللغة : كبته لوجهه أي صرعه ، وأهلكه وأخزاه ، وأذله ، يقال : كبت الله العدو أي أهانه وأذله ورده بغيظه ، ويقال : كبت فلان غيظه في جوفه أي لم يخرجه . إذن فالعز والكرامة لا يأتيان بمخالفة حدود الله ، لأن ذلك لا يورث إلا الذل والهوان في الدنيا نتيجة لاتباع النظم والقوانين الفاسدة والضالة ، بما فيها من معطيات سلبية ، وغضب الله وحربه ، وفي الآخرة نتيجة عذابه المهين الذي قد ينزله عليهم بأيدي عباده المؤمنين . وهذه الحقيقة ليست خيالًا ولا وهماً ، بل هي واقع له شواهده في التاريخ والواقع ، يهدي إليه العقل وتؤيده الآيات الواضحة وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ بالغة الحجة ، ظاهرة الدلالة ، تنذر الإنسان ذا اللب من محادة الله ، وتهديه إلى ضرورة الإيمان به وبرسوله ، فمن اتعظ بها انتفع وعزَّ ونجا من كبت الله ، وإلا وقع في العذاب والذل وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ . والملاحظ أنه قال في الآية الماضية : عَذَابٌ أَلِيمٌ وهذا يتناسب مع العقوبة التي هي موضوعها ، في حين وصف العذاب هنا بأنه مهين ، لأن من يحادون الله ورسوله يطلبون بذلك العزة لأنفسهم ، والذل للحق واتباعه ، وليس صفة أنسب في عذابهم من الإهانة والذل . يَوْمَ يَبْعَثُهُمْ اللَّهُ جَمِيعاً للجزاء على أعمالهم ، وقال : جَمِيعاً لأنهم ربما تعاونوا على محادة الله والكفر ، واغتروا بقوتهم وعددهم فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا من السيئات عبر الحساب ، ومن خلال العذاب لأنه هو الآخر صورة حقيقية لما عملوا . كما أن إخباره تعالى لهم بأعمالهم يؤكده لهم شهادته على خلقه ، وأنه أخبر وأبصر بالإنسان حتى من نفسه ، لأنه معرض للنسيان أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ وحينئذ ليس يتبين لهم صدق آيات الله ، وخطأ أعمالهم ومسيرتهم في الحياة فقط ، بل يصيرون من العلم على عين اليقين بأن الله شاهد على كل شيء ، وأنه حين تركهم في الدنيا يفعلون ما يشاؤون من معصيته ومحادته فليس عن لغلبتهم إياه ، وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ ( 42 ) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ [ إبراهيم : 42 - 43 ] . وإنما يذكر الله بيوم البعث وشهادته على كل شيء هنا لأن محادة الله ورسوله وعمل السيئات ينطلق في الأساس من الكفر بالآخرة والجزاء ، ومن الاعتقاد بالقدرة على تبرير
من هدى القرآن — صفحة 330 | السيد محمد تقي المدرسي