تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
لأنها كأي مسلم وأية مسلمة ترى في القرآن وعند القيادة الربانية حلًّا لكل مشكلة ، وجوابا لكل تساؤل . ولا ريب أن هذه العلاقة الوثيقة بين الأمة وكتابها وقيادتها ولَّدت حضارة الإيمان التي لا زالت في مُثُلها وقيمها كما في واقعها مثلا وأسوة للبشرية . إن خولة ألحَّت على الرسول صلى الله عليه وآله وراجعته في الجدال مرات ومرات ، ولكنه ما كان ليستصدر حكما من عند نفسه متأثرا لحالها ، وما كان يعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليه وحيه ، مما يؤكد أنه مرسل من قبل الله ، لا ينطق عن الهوى ولا عن عقل البشر . وإنه لمن صفات القيادة الرسالية انطلاقها في أحكامها ومواقفها ورؤاها من الرسالة ، وليس عيبا السكوت ، إنما العيب أن يحكم الإنسان على أساس الهوى والجهل ، أو أن يتقول على الله ، فهذا رسول الله صلى الله عليه وآله على عظمته يجيب المرأة : « وَلَمْ أُؤمَرْ فِي شَأْنِكِ بِشَيْءٍ » « 1 » ، حتى نزل قوله تعالى في شأن الظهار . قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا أي في شأنه وأمره ، تريده يرجع إليها . وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وتكشف مجادلتها وشكواها عن الأثر العميق للحادثة في نفسها ، لأن الظهار في عرف الجاهلية يُنهي كيان الأسرة إلى الأبد . إنها حقًّا صورة من الغي والضلال تعكس مأساة الإنسان في ظل الجاهلية . بلى ، إن الأمر قضَّ مضجع هذه المرأة الضعيفة ، وما فتئت تعاود رسول الله في أمرها ، لعلها تجد بلسما في دين الله ، وعند رسول الرحمة . وإن قلبها ليحدثها بأنه تعالى أسمى من أن يعطي لهذه العادات شرعية ، مما يدفعها للحوار مع النبي المرة بعد الأخرى دون يأس . وكل ذلك بظاهره وباطنه وبدقائق تفاصيله لم يكن ليخفى على الله وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إنه شاهد ناظر ، لا حاجب يمنعه ، ولا ستر يستر عنه . إنهما الآن واقفان في زاوية البيت يتحاوران ، تقول هذه المرأة المجادلة لرسول الله - حسب بعض النصوص - : [ يا رسول الله قد نسخ الله سنن الجاهلية ، وإن زوجي ظاهر مني ، فقال لها : ما أُوحي إليَّ في هذا شيء ، فقالت : يا رسول الله أوحي إليك في كل شيء وطُوي عنك هذا ؟ فقال : هو ما قلت لك ] « 2 » . هذا رسول الرحمة ، هذا مركز العطف وينبوع الحنان ، هذا صاحب الخلق العظيم ، ولكن الله أرحم الراحمين وأعظم عطفا وحنانا فلا يجوز أن نرى أحدا أقرب إلينا منه ولا أرحم ، حتى ولو كان الشفيع الحبيب محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله على أنه السبيل إلى الله ، وأقرب الوسائل إليه ، وأقرب الشفعاء .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 22 ، ص 56 . ( 2 ) تفسير القرطبي : ج 17 ، ص 271 .
من هدى القرآن — صفحة 322 | السيد محمد تقي المدرسي