تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
ولقد كانت العرب ترى أن الرجل إذا قال لزوجته : ( أنت علي كظهر أمي ) حرمت عليه أبدا ، وكان ينطوي هذا الحكم على ظلم كبير للمرأة التي لا تعاشر آنئذ معاشرة الأزواج ، ولا تُسَرَّح لتتزوج من رجل آخر . لقد كان الظهار من العادات الجاهلية التي فتَّتت الكثير من الأسر قبل بزوغ نور الإسلام ، وقد تعوَّد عليها المجتمع ، وبقي إيمان الكثير بها إلى ما بعد إسلامهم ، وحيث أراد الله لرسالته أن تكون بديلا عن الجاهلية فقد نزل الوحي يدافع عن الأسرة باعتبارها إذا صلحت وقويت كانت أساس بناء المجتمع والحضارة ، ومن هذا المنطلق حارب القرآن فكرة الظهار ، واعتبرها منكرا وقولا زورا ، لا يبرره شرع الله ولا الواقع ، فإن قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي لا يُصَيِّرها أمًّا له ، إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنْ الْقَوْلِ وَزُوراً ، وهذا يشبه - ولكن بصورة أعظم خطرا عند الله وفي واقع المجتمع - فكرة الأدعياء التي عالجها الذكر الحكيم في سورة الأحزاب « 1 » . وفي الوقت الذي تُسَفِّه سورة المجادلة فكرة الظهار كما يتصورها الجاهليون من المسلمين ، بأنها لون من الطلاق الدائم الذي لا تصح بعده الرجعة ، تؤكد هذه السورة أن الرجعة ممكنة حفاظا على كيان الأسرة والمجتمع ورعاية لعواطف الإنسان ، ولكنها تفرض كفارة على الرجعة قبلها ( تحرير رقبة ، أو صيام شهرين ، أو إطعام ستين مسكينا ) ، وذلك يعني أن الإسلام يعتبر الظهار أمرا مشروعا ، إنما أراد بذلك الوقوف أمام تأثر المسلمين بالجاهلية من جهة ، ودفعهم من جهة أخرى إلى أخذ شرائعهم وثقافتهم من مصدرها الصحيح والأصيل ، ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ، وما دون ذلك فهو صنيع الجاهلية الضالة الكافرة ، والذي ينبغي الاستغفار منه ، لأن الإيمان والعمل به يستوجب غضب الله وعذابه ، وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ . بينات من الآيات : [ 1 ] نزلت الآيات في امرأة من الأنصار اسمها خولة بنت خويلد ، عن ابن عباس ، وقيل : خولة بنت ثعلبة ، عن قتادة والمقاتلين . وزوجها أوس بن الصامت وذلك أنها كانت حسنة الجسم فرآها زوجها ساجدة في صلاتها فلما انصرفت أرادها فأبت عليه فغضب عليها ، وكان امْرَأً فيه سرعةٌ وَلَمَمٌ ، فقال لها : [ أنت علي كظهر أمي ] ، ثم ندم على ما قال وكان الظهار من طلاق أهل الجاهلية فقال لها : [ ما أظنك إلا وقد حرمت عليًّ ، فقالت : لا تقل ذلك وأت رسول الله صلى الله عليه وآله
هامش
( 1 ) لقد مر تفسير ذلك في تفسير السورة فراجع .