الحاضر ، وليسوا ممن يملك بصيرة المستقبل أو تجربة الماضي .
أَنَّى لَهُمْ الذِّكْرَى أي بعدت واستحالت بالنسبة لهم ، لأنهم حين رفضوا الإيمان قبل العذاب لم يكن رفضهم منطقيا إذ لم يقصِّر الرسول في بيان الحق والدعوة إلى الله ، حتى عذرهم بأن الأمر كان غامضا . وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ ولكنهم عصوه ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ إذ صاروا يختارون ما توحي به شهواتهم ومصالحهم وقيادتهم الباطلة على أمره ، وأكثر من ذلك اتهموه وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ فهو ينتمي إلى الآخرين في نظرهم ، وهذه تهمة يوجهها الطغاة إلى كل مصلح ومجاهد ، حيث يسمونه متآمرا ، ويتهمونه بالارتباط بجهات خارجية ، ومن جهة أخرى اتهموه بالجنون لما يقدم عليه من أعمال جريئة . حقا إنهم اعترفوا بأنه عالم وشجاع ، ولكن منعهم غرورهم من الاعتراف بعظمته ففسروا حكمته بالتعلم ، وبطولاته بالجنون ، وإذا عرفنا أن رسالته لم تكن ناشئة من الثقافة المنتشرة في مجتمعه فإن اعترافهم ماض في أنه رسول ، وحين عرفنا أن شجاعته كانت محسوبة فإن كلامهم اعتراف بأنه توكل على الله فأيده ربه .
[ 15 ] ولكن مع ذلك قد يرفع الله العذاب عن عباده رحمة بهم ، ذلك أن من أهداف إنزاله على الناس إعادتهم للحق ، وتصحيح مسيرتهم الخاطئة ، عبر بعثهم نحو نقد الذات ، كما يقول تعالى : فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ [ الانعام : 42 ] . فإذا ما تضرعوا رفعه الله عنهم لإقامة الحجة التامة عليهم ، وبيان زيف ادعائهم بأنهم تائبون حقا .
إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ وربنا يعلم بحقيقتهم ولكنه يرفعه عنهم بلطفه ، فإذا بهم يعودون لما نهوا عنه ، مما يجعلهم يستحقون أشد العذاب .
[ 16 ] وربنا يؤكد بأن العودة إلى المعصية والانحراف تستلزم إرجاع العذاب ولكن بصورة أشد وأقسى ، وليس بهدف هدايتهم ، بل انتقاما منهم هذه المرة يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ إن العذاب الذي يراه الظلمة في الدنيا ليس سوى نموذج مبسط من العذاب الذي ينتظرهم بعد الموت .
[ 17 ] ووقوع هؤلاء طعمة للبطشة الكبرى نتيجة طبيعية لفشلهم أمام أعظم فتنة يتعرض لها البشر ، وهي فتنة التسليم للقيادة ، حيث تولوا عن الرسول وخالفوا أمره ، فلن يكون مصيرهم ولا مصير أمثالهم بأفضل من أسلافهم الذين تحدوا قيادة الرسل . * وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ وانبعاث القيادة الرسالية المتمثلة آنذاك في موسى عليه السلام وضع المجتمع كله أمام فتنة كبرى ، فهو إما يختار الانحطاط والدمار باتباع الباطل بقيمه ورموزه ، وإما يتبع الحق برسالته وقياداته .
من هدى القرآن — صفحة 99
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٩