[ 18 ] وقد بيَّن موسى عليه السلام الهدف الأول من رسالته وهو تحرير الإنسان من العبودية للطاغوت ، وقد أشارت آيات عديدة إلى أن صبغة رسالة الله إلى موسى كانت تحرير بني إسرائيل من طغيان آل فرعون ، إذ كانت هذه أعقد مشكلة حضارية في ذلك العصر ، وقد تحدَّت رسالات الله جميعا بؤر الانحراف وعقد المشاكل ، فإذا كانت عقدة الحضارة العلو في الأرض ، كما نجده في مجتمع عاد ، فإن أخاهم هودا نهاهم عن أن يبغوا الفساد في الأرض ، وأن يبطشوا بطش الجبارين ، أما إذا كانت العقدة الفساد الخلقي كما عند قوم لوط نهاهم رسولهم من ذلك ، وقال : أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [ النمل : 55 ] ، وهكذا . وهكذا جاء موسى محررا لبني إسرائيل من طغيان فرعون ، وقال : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِي بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الأعراف : 105 ] ، وقال : إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ [ الشعراء : 16 - 17 ] .
وهنا يقول ربنا : أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ يعني المستضعفين الذين استعبدتهم الفراعنة . إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فلست أريد من تحرير المستضعفين شيئا لنفسي ، وإنما أنا أؤدي أمانة الرسالة ، وألتزم بها كما يريد الله عز وجل .
[ 19 ] أما الهدف الآخر لموسى عليه السلام فهو القضاء على الاستكبار بكل أبعاده وصوره ، وإعادة الإنسان إلى واقعه الحقيقي ، وهو واقع العبودية لربه تعالى ، وتكبَّر فرعون وقومه على موسى لم يكن تكبرا عليه وحسب ، وإنما كان تكبرا على القيم الحقة ، ومن ثَمَّ طلبا للتعالي حتى على الله ، وموسى عليه السلام أكد على هذه الفكرة في دعوته لهم .
وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ وإذا كان فرعون قد نصب نفسه إلها أعلى للناس فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى [ النازعات : 24 ] ، فإن دعواه هذه باطلة يدحضها موسى بالحجج والبراهين الواضحة .
[ 20 ] وحيث يتوقع موسى عليه السلام موقف الرفض والظلم ضد الدعوة الصادقة من قبل فرعون وقومه أكد بأنه لن يخشى أحدا ، لأنه يستعيذ بالله منهم .
وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وتكشف هذه الآية الكريمة عن سياسة الطغاة في مواجهة الرسالة ، وعموم الأفكار المخالفة لهم ، وهي سياسة البطش ، ذلك لأنهم لا يملكون قوة المنطق حتى يواجهونها ، فيواجهونها بمنطق القوة .
ولعل في الآية تحذير مبطن من قبل موسى ، حيث أنذرهم بأنه سوف يستعين بالله في مواجهتهم ، وهل تصل أيديهم له لو نصره الله ؟ ، بالطبع كلا . .
من هدى القرآن — صفحة 100
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٠