والرجم حسبما يظهر لي يستبطن معنى اغتيال شخصية الرسول بالإشاعات الباطلة ، ثم اغتيال شخصه بطريقة يساهم كل الناس في قتله فيضيع دمه بينهم حتى لا يترك مجالا لوليه بالثأر .
وهكذا تجمع بين معنيين أشار إليهما المفسرون لكلمة الرجم : الرجم بالحجارة ، والرجم بالشتم ، والواقع أن الرجم الأول هو نتيجة الرجم الآخر .
[ 21 ] ثم إنه عليه السلام بين لهم خطأ منطق القوة في مواجهة المنطق الحق ، وأن المنطق الموضوعي هو قبول الرسالة والإيمان بها ، أو اعتزال صاحبها وتركه والناس حتى يحكم الزمن بصدقه أو كذبه وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ .
[ 22 ] ولكنهم رفضوا إلا منطق الجريمة فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ فالذنب بالنسبة إليهم ليس عرضا يقعون فيه بسبب الغفلة أو النسيان ، وإنما هو أساس تقوم عليه حياتهم ، فهم مرتكزون في الجريمة .
وهذه الآيات وكثير من الآيات القرآنية التي تحدثنا عن معاناة الأنبياء مع أقوامهم ، تؤكد ثلاث مراحل تمر كل رسالة بها ، المرحلة الأولى هي بعث النبي واختلاطه بالناس وسعيه لهدايتهم ، والمرحلة الثانية هي تكذيبهم له واعتزاله عنهم ، أما المرحلة الثالثة فهي حلول العذاب عليهم من قبل الله مباشرة ، أو على أيدي المؤمنين بقيادة الرسول أو من يمثله في المجتمع ، وإنما ينبغي اعتزال المجتمع الكافر لكي لا يشمل العذاب المؤمنين ، أو للإعداد للصراع في مواجهة الكافرين .
[ 23 ] وقد أمر ربنا موسى عليه السلام والذين آمنوا معه بالانفصال عن فرعون وقومه تمهيدا لحلول العذاب عليهم ، وأكد ربنا على أن يكون الاعتزال في ظروف سرِّية حتى تتم العملية بنجاح ، فكان الليل أكثر مناسبة للحركة .
فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ من قبل فرعون وجنده ، ذلك أنهم يرفضون أي حركة تحررية في المجتمع . ولعل الحكمة من إضافة كلمة لَيْلًا لجملة أَسْرِ التي هي تكفي دلالة على الحركة بالليل ، لتوضيح أن كل السفر ينبغي أن يكون بالليل .
[ 24 ] وحيث انفلق البحر لموسى وبني إسرائيل ، وعبِّروا من خلاله للطرف الآخر من اليابسة ، أمره الله أن يتركه على حاله منشطرا ، لكي يتبعهم الظلمة من خلاله فإذا توسطوا البحر جميعهم أغرقهم وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ وقد ذكروا لكلمة الرهو معنيين :
من هدى القرآن — صفحة 101
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠١