حتى استشهد مع الحق .
ولكن ! لماذا اختار عمار رضي الله عنه هذا الموقف ، بينما اختار ابن العاص الهزيمة أمام الفتنة ؟
والجواب : لأن عمار كان دائما مع الحق ، وحتى في دقائق حياته ، ومنذ إيمانه بالرسول صلى الله عليه وآله ، حتى قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله :
[ مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ
- كلاهما في الله -
إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا ]
« 1 » .
وربما عناه الإمام علي عليه السلام بقوله :
[ كَانَ لِي فِيمَا مَضَى أَخٌ فِي اللهِ وكَانَ يُعْظِمُهُ فِي عَيْنِي صِغَرُ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ . . . وكَانَ إِذَا بَدَهَهُ أَمْرَانِ يَنْظُرُ أَيُّهُمَا أَقْرَبُ إِلَى الهَوَى فَيُخَالِفُهُ ]
« 2 » .
فلا عجب إذن أن تنتهي حياة هذا العظيم بالشهادة ، بينما يموت ابن العاص على فراش الذنَّب والرذيلة ، لأن ابن العاص كان يخشى من شهرة العرب - حسب قول ابن قتيبة - أكثر من خوفه من الله ، وكان يبحث عن الرئاسة قبل سعيه لرضى ربه ، إن تلك الصفات التي تكرست في نفسه عبر عشرات من المواقف الانهزامية أمام ضغوط الدنيا وإغراءاتها كونت أرضية هزيمته المصيرية باختيار الدنيا على الدين .
ومن هنا نعي أهمية المواقف اليومية ومدى تأثيرها على مستقبل الإنسان ، فلا ريب أن الاختيارات اليومية للأصعب في الله ، هي التي صنعت إرادة عمار حيث التزم بالخيار الصعب في نهاية الخط ، بينما صنعت الاختيارات البسيطة للخطأ الهزيمة الحاسمة أمام الفتنة الكبرى في حياة الآخر .
وفرعون مع ملئه وجنده - الذين تحدثت عنهم آيات هذا الدرس - إنما فشلوا في الفتنة الكبرى لأنهم كانوا ينهزمون أمام الفتن الصغيرة ، وهذه من أهم العبر التي نستفيدها من سورة الدخان .
بينات من الآيات :
[ 13 - 14 ] اختتم الدرس السابق بتصوير الكافرين يدعون ربهم لكشف العذاب عنهم زاعمين أنهم مؤمنون ، وهنا يؤكد ربنا أنهم كاذبون ، أولم يكفروا بالنذير ؟ بلى ، إنهم يعيشون اللحظة ، فإذا رأوا العذاب جأروا إلى ربهم ، وإذا استجاب لهم تراهم ينكثون . إنهم أبناء الظرف
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 22 ص 320 .
( 2 ) نهج البلاغة : حكمة : 289 .