تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢
الواسع والساكن ( الخافض والوادع ) ومعنى ذلك أن يترك الطريق كما هو واسعا وادعا ليغري فرعون بالسير فيه تمهيدا لهلاكه وقومه . [ 25 - 27 ] واستجاب موسى لأمر الله فجمع بني إسرائيل وأخبرهم بالأمر ، فتحركوا ليلا ، وعندما وصلوا الماء ضربه موسى عليه السلام بعصاه فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [ الشعراء : 63 ] وسار بنو إسرائيل بأسباطهم الاثني عشر على الفروق ، وقد تبعهم فرعون وجنده ، فلما توسطوا البحر التقى الماء بأمر الله فأغرقوا بأجمعهم ، وخلفوا وراءهم كل ما جمعوه من حطام الدنيا الزائلة ، فخسروا بفشلهم أمام الفتنة الكبرى نعيم الدارين وهكذا ذهب آل فرعون وخلفوا وراءهم حضارتهم المادية التي أطغتهم عن القيم الإلهية . لقد اجتهدوا لاستصلاح الأراضي وإنشاء بساتين على جانبي النيل ، تجري فيها عيون الماء من قنوات متصلة بالنيل ، ووراء جنات الأشجار كانت الأراضي الخصبة التي تزرع فيها أنواع الحبوب ، وقد أعطتهم هذه الثروة الزراعية أموالا طائلة بنوا بها بيوتهم المرفهة المؤثثة بكل وسائل الراحة في ذلك اليوم ، وقد طار صيتهم في الآفاق ، ونالوا مقاما كريما . وقد بلغت حضارتهم مستوى تجاوزت مرحلة الصعوبات ، وبلغت مرحلة التفكه والتلذذ فنقلوا جميعا إلى النيل كعبة آمالهم ، ومعبد غرورهم وكبريائهم ، وأهلكوا ثمة دون أن يمس حضارتهم سوء كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ( 25 ) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ( 26 ) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ فأصبحوا عبرة لغيرهم عبر الأجيال ، بينما ينبغي للإنسان أن يعتبر بغيره لا أن يكون نفسه عبرة للآخرين . [ 28 - 29 ] ثم يقول ربنا : كَذَلِكَ أي إن هذه سنة تجري في الحياة على كل من يترك القيم ، ويرفض هدى الله ، وما هذه النهاية المريعة التي صار إليها فرعون وجنده وملؤه إلا صورة لعاقبة كل أمة ترفض قيادة الحق ، وتسلم زمامها لقيادة الطغاة . وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ وهؤلاء بدورهم ممتحنون بهذه الأشياء فلا بد أن يتجاوزوا الفتنة بنجاح ، وإلا فلن يكون مصيرهم أحسن من سابقيهم ، الذين دمرهم الله . ولعل الآية تشير إلى وراثة بني إسرائيل لأرض مصر بعد هلاك آل فرعون ، وتدل على ذلك آيات أخرى . فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمْ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ قد يصل الأمر بالإنسان - وبالذات الحاكم - أن يعتقد بأن الحياة متوقفة عليه ، وأنه مركز الكون ، ولكن الحقيقة ليست كذلك ، فهو لو تغير من موقعه أو انتهى أجله لا يطرأ أي تغير على الطبيعة سوى ذهابه ، الذي لا يغير شيئا من سننها أو واقعها .