تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 424

مساهمون:

ص٤٢٤
وهذا الترديد شائع عند كل الذين يكفرون بالحق ، ويعاندون أمام الحجج البالغة ، ذلك أن الحق يفرض نفسه على الساحة حتى لا يكاد أحد يقدر على التهرب منه . [ 40 ] انظر إلى عاقبة أمرهم ، لقد أخذهم الله بقوته فلم يقدروا على الفرار من جزائه العادل بمثل ما تهربوا من الحق الذي دعاهم إليه ، ثم ألقاهم في البحر كما ينبذ شيء يسير لا وزن له ولا قيمة فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ولا يلام غيره . أفلم ينذره الله ، وأتم الحجة عليه فلم تنفعه شيئا ؟ وَهُوَ مُلِيمٌ تلاحقه لعنة الله والملائكة والناس إلى يوم القيامة . [ 41 ] وإذا تكررَّت صورة أخذ الطغاة والمجرمين فإن السنة واحدة ، وتلك السنة تصبح عبرة لمن شاء أن يعتبر ، ففي أرض الأحقاف الواقعة - حسب المفسرين - بين حضرموت وعمان كانت قبائل عاد تطغى وتفسد وتبطش بالناس كما الجبارون ، وجاءهم النذير فلم يستجيبوا له ، فأرسل الله عليهم الريح لا لكي تلقح ثمارهم أو تحمل الغيث إلى أرضهم العطشى ، بل لكي تبيد ما أتت عليه من زرع وضرع وإنسان وأثاث وبناء حتى لا تخلف وراءها شيئا فهي عقيم . وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ الرِّيحَ الْعَقِيمَ وقالوا في معنى العقيم : أنه الذي لا ينتج غيثا ولا لقاحا . ولعل العقيم هو الذي لا يذر شيئا بعده فتكون الآية التالية تفسيرا له . [ 42 ] ويبدو أن الإعصار كان نارا وُسمّاً ، وهكذا لم يدع شيئا قائما على حاله بل أباد الأرض وما عليها وجعلها رميما . مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ قالوا : من الرمة العظم البالي ، والرمة الحبل البالي ، والرم ما يقع على الأرض من التبن ، وقال البعض : الرميم الرماد ، وقال آخر : إنه الذي ديس من يابس النبات . إنه التراب المدقوق ، وقال ابن عباس : [ كالشئ الهالك البالي ] « 1 » . ويبدو لي أن الكلمة توحي بانعدام الشيء ، فإذا كان البناء يتهدم ، وإذا كان العظم أصبح مهشما ، والحبل باليا ، والتراب رمادا لا حياة فيه . . وإذا صح هذا التفسير فإن تلك الأرض لا تصلح لإعادة الحياة فيها أبدا ، وهذا عاقبة طغيانهم وتحديهم لرسالات ربهم . [ 43 - 44 ] ومن جنوب الجزيرة العربية إلى شمالها حيث سكنت قبائل ثمود في منطقة ( حجر ) نقرأ ذات القصة ، ونجد العبرة ذاتها ، وتتجلى حقيقة المسؤولية والجزاء . لقد كفروا بالرسالات ، وتمردوا على رسولهم ، وعقروا الناقة ، فأمهلوا ثلاثة أيام ، فلم يقدروا على الفرار ، ولا نصرهم ما أشركوا به ، ولا نفعتهم الحيلة ، بل دمروا بالصاعقة شر
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 11 ، ص 349 .
من هدى القرآن — صفحة 424 | السيد محمد تقي المدرسي