هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ من هذا الجواب نعرف طبيعة سؤالهم ، وأنه كان مليئا بالسخرية والأفكار .
[ 15 ] في جانب آخر من الصورة نجد المتقين الذين حفظوا أنفسهم من أسباب الاحتراق بالنار ، نجدهم في جنات وعيون إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ لكل جنة نعيمها ، ولكل عين شراب معلوم ، وهم يسيحون فيها يتلذذون بما تشتهيه أنفسهم .
[ 16 ] آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ كما أخذوا في الدنيا بتعاليم ربهم مسلِّمين لها يأخذون اليوم ثوابه العظيم .
وقالوا : الأخذ هنا بمعنى التملك ، كأن نقول : فلان أخذ البلاد ، فالجنة ليست بحكم المؤقت بل ملكهم الدائم .
وقالوا : صيغة الكلمة ( آخذين ) تدل على استمرار أخذهم به ، لأن نعم الجنة لا يمكن أخذها مرة واحدة لأنها لا نهاية لها .
وقالوا : الأخذ يكون برضا وقبول ، فهم راضون بنعيم الجنة أي رضى .
والكلمة كما يبدو تحتمل كل هذه المعاني وأكثر . هذا الأخذ كان في مقابل عطائهم ، إنهم في الدنيا قبل الآخرة كانوا محسنين إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ فإحسانهم على أنفسهم بالطاعات ، وعلى الناس بالإنفاق والصدقات ، كان ثمن أخذهم ثواب الله العظيم .
[ 17 ] سعي المتقين في النهار يهدف الإحسان ، أما إذا آووا إلى مساكنهم اتخذوها محرابا للعبادة وفرصة للتهجد ، فتراهم صافين أقدامهم يجأرون إلى ربهم ، تكاد أرواحهم الطاهرة تفارق أبدانهم شوقا إلى الله وفرقا من عذابه .
إن معرفتهم بربهم وتطلعهم إلى القربى منه لا تدع أجسادهم تستريح إلى الفراش ، وهل يستريح من يطلب أمرا عظيما . وإن خشيتهم من غضب ربهم وشديد عذابه تقض مضاجعهم فتتجافى جنوبهم عنها . أرأيت الذي حكم عليه بالإعدام غدا كيف ينام ليلته ؟
كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ قالوا : الهجع النوم ليلا ، ولعل الكلمة توحي بثلاثة ظلال حسب ما جاء في اللغة من مفرداتها :
الأول : عدم السكون التام في النوم ، وبسبب تعلق قلوب المتقين بالآخرة لا تسكن تماما في الليل بل تسكن جوارحهم دون جوانحهم ، ومنه التهجاع النومة الخفيفة .
من هدى القرآن — صفحة 406
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٦