يحذرونه من عذاب شديد ؟ بلى ، إنه لم يترك إلى الأبد ، إنما ليوم الفصل حيث ينتظره الوعيد الصادق . دعنا إذن نحذر الآخرة ، ونتقي ما يعرضنا فيها للعذاب ، هكذا تتصل حقائق القسم السابقة بحقيقة الوعيد الذي أنذر به البشر .
[ 6 ] وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ الدين : ( ذلك الجزاء الأوفى الذي بشرنا به لو اتقينا الرب ) حق ، ويقع في ميعاده المحدد .
قالوا : الدين هو الجزاء ، وإن يوم الدين هو يوم الجزاء ، وإذا فالدين - حسب هذا الرأي - يقع في الآخرة . ولكن الأمثال التي يضربها القرآن فيما يأتي من واقع التاريخ البشري في الدنيا لا تخص بالآخرة ، وحتى كلمة الدين عامة تشمل الدنيا ، بلى ، الجزاء الأوفى في الحياة الأخرى أما الدنيا فالجزاء فيها محدود .
إن تقدير الله حكيم ، وتقسيم الملائكة الأمر يجري وفق ذلك التقدير ، فكيف لا يتصل بسلوك البشر وما يختاره لنفسه من خير وشر .
الأمنة والخوف ، التقدم والتخلف ، الغنى والفقر ، الصحة والمرض ، الوفرة والجدب ، كل ذلك يخضع لتقدير الرب الحكيم ، ولعل وعي هذه الحقيقة يفتح أبواب المعرفة أمام الإنسان ، ويعطيه مفك ألغاز الخليقة من حوله ، ويضعه على المنهج السليم في بحثه عن العلل والأسباب . إنه باختصار سبيله نحو الحضارة . أليس التخلف ناشئا من الفصل بين سلوك الإنسان وواقعه ، إذا فإن الخلاص منه يكون بمعرفة اتصالهما ببعضهما اتصال العلة بالمعلول .
أكثر الناس يجهلون أو يغفلون عن هذه الحقيقة أن ظواهر الطبيعة وأحدثها تخضع لتقدير حكيم ، وأن سلوك كل واحد من أبناء البشر يؤثر - بقدره - في هذه الظواهر ، لذلك فهم يتمنون تحسن حياتهم ، ولكن دون أن يسعوا إلى ذلك بتحسين سلوكهم ، والقرآن لا ينفك عن تأكيد هذه الحقيقة لعلنا نبلغ أهدافنا بأقصر السبل وآمنها ألا وإنه إصلاح الذات لإصلاح الحياة .
[ 7 ] ثم يقسم الرب تبارك وتعالى بالسماء التي أحكمت إحكاما ، التي تشبه الدروع المحبوكة ، المتصلة حلقاتها مع بعضها بمتانة وقوة .
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ لعل القرآن الحكيم يشِّبه السماء بالدرع ، وعندئذ يعطي لها هذا التشبيه صفات ثلاث :
الأولى : أنها قوية متينة كما الدرع .
الثانية : أنها تحفظ الأرض من النيازك والغازات السامة .
من هدى القرآن — صفحة 403
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٣