الثالثة : أن كراتها شبيهة بحلقات الدرع فهي متناثرة ولكنها ترتبط مع بعضها البعض برباط وثيق . إن الإنسان يزعم بادئ النظر أن لا صلة للشمس بالأرض وللأرض بالقمر أو أنه لا علاقة بين أجرام المنظومات الشمسية ومنظومات المجرات ، كلا . . هناك ما يشبه غلالة من الجاذبية تربط بين جميع الكرات والمنظومات والمجرات كما تتصل حلقات الدرع تماما . .
[ 8 ] إن التفاعل بين أجرام السماء وأجزاء الأرض لا بد أن ينعكس على التكامل بين معارف الإنسان . أوَلَيس العلم مرآة صافية لما في الواقع ، فلماذا التناقض والاختلاف عند البشر ؟ لماذا هذه الآراء المتباينة ؟ وهذا الحشد الكبير من النظريات التي لا تستقر على أساس ؟ أليس ذلك دليلا على مدى جهل البشر ، فلماذا التعصب لآرائه في مواجهة بصائر الوحي ؟
انظر إلى أقوالهم في الوحي ذاته . إنهم لا يدْرون كيف يبرِّرون كفرهم بهذه الحقيقة التي تكاد تفرض نفسها عليهم فرضا ! تراهم يقولون حينا : إنه شاعر ، وحينا يقولون : بل هو مجنون ، ويزعمون حينا بأنه مفترٍ كذاب !
إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ قالوا : المراد أنهم اختلفوا في قضية الوحي أو الحشر أو الرسالة أو الولاية ، فيكون المعنى : إنكم أمام قول ( الوحي ) قد اختلف فيه ، فماذا يكون موقفكم ، هل تنكرونه كما كفر به الآخرون ، أم تسلَّمون له كما قبله المؤمنون ؟
[ 9 ] وهذا القول المتمثل في الوحي الإلهي تسنده الحجج البالغة ، وإنما يكفر به الذين تبعدهم ضلالات الشيطان عنه .
يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ أما من لا يتعرَّض للتضليل الشيطاني وكذبه ودجله وأنواع إفكه فإنه لا ينصرف عنه ، لأنه حق لا ريب فيه .
[ 10 ] والذي يؤفك عن الحقيقة تحيط به الظنون والتصورات . أرأيت الذي لا يعرف وزن التمر على النخل فيطفق بالتخريص كذلك يخرِّص المنحرفون في فهم حقائق الخلق . . ويا ويلهم كيف يفسرون بأذهانهم القاصرة ومعارفهم المحدودة قضايا الخليقة اللطيفة والغائرة .
قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ إنها لعنته الأبدية التي تلاحقهم ، وأي جريمة أكبر من ترك العلم إلى الجهل ، واليقين إلى الظن ، والوحي إلى التخرص ، وهل ابتلي الإنسان بمصيبة أكبر من الضلالة ، وفتنة أشد من الجهالة ؟
ولعل الآية تشمل كل أنواع التخريص والقول بغير علم أنِّى كان .
من هدى القرآن — صفحة 404
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠٤