وقالوا في معنى الآية : إنها [ دعاء بالقتل والفناء ] « 1 » ، لأن فائدة وجود الإنسان علمه فإذا ترك علمه كان الموت أولى له . وقالوا تعني : [ اللعنة والطرد من رحمة الله ] .
[ 11 ] أرأيت الذي تغمره أمواج الماء ؟ هل يقدر على أن يبصر شيئا أو يقرر أمرا ؟ كذلك الذين تحيط بهم أمواج الخيالات والتخرصات ساهون عن الحقائق .
الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ إذا تخلص فكرة من دعايات أبواق الشيطان أحاطت به موجة من إثارة الشهوات ، وإذا انحسرت عنه الأماني الخادعة طغت عليه موجات القلق والاضطراب والخشية من المستقبل ، وهكذا تغمره أمواج الهواجس غمرة بعد غمرة حتى الموت .
[ 12 ] وبسبب تلاحق غمرات الهواجس والظنون على أفئدتهم يسهون عن حقيقة الموت وواقع الحساب ، ولا ينفكون يبعدونه عن أذهانهم ، ويتساءلون : متى هو ؟
يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ إنهم يستبعدونه أو يستهزئون به ، وبالتالي لا يأخذونه مأخذ الجد ، ربما لأنهم غرقوا في الأفكار الساهية .
[ 13 ] وإنه آت لا ريب فيه ، وما دام الأمر كذلك فعلينا الإعداد له لأنه رهيب . أوليس الذي يمتطي صهوة الزمن يسار به وإن كان واقفا ؟ أوليس
[ وكُلُّ مُتَوَقَّعٍ آتٍ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ دَانٍ ]
« 2 » كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام ؟ .
وماذا يستعجلون من يوم الدين ، هل يستعجلون منه اللهيب الذي يحرق أبدانهم ؟ .
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ كما يعرض الذهب على النار ، ويبدو أن الكفار يعرضون في البدء على جهنم ثم يلقون فيها ، ولعل ذلك لكي يقرأ عليهم حكم خلودهم في النار وسبب ذلك ، كما يتلى على المحكوم بالإعدام الحكم وحيثياته قبل تنفيذه .
[ 14 ] في تلك اللحظة الرهيبة يبلغون الجواب عن سؤالهم الذي اقترن بالسخرية ، ويكون الجواب بالطبع مطابقا للسؤال :
ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذه هي النار التي كنتم بها تستهزئون . إنها الفتنة التي تمثلت في الدنيا في صورة أوامر ونواهي وواجبات ومحرمات . إنها اليوم ظهرت على واقعها نارا متفجرة .
هامش
( 1 ) راجع الكشاف للزمخشري : ج 4 ، ص 15 ، جامع الجوامع للطبرسي : ج 3 ، ص 425 .
( 2 ) نهج البلاغة : خطبة : 103 .