الضغوط حتى تهديهم إلى سواء الجحيم فإن الصالحين يعودون إلى نقائهم كلما دنستهم الخطايا ، ويتطهرون بالتوبة إلى ربهم الغفور . . وهؤلاء هم أصحاب الجنة .
وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وعند السَّحر يكون العالم المحيط بالإنسان في سبات عميق ، حتى الذين أسهرهم المرض أو اللعب أو ما أشبه يخلدون إلى السكون ، والإنسان بدوره يعيش السكون في داخله ، تتراجع شهواته ، وتهدأ أعصابه ، وتقل هواجسه ووساوسه ، ويعود إلى نفسه ، وتكون الفرصة مواتية لمراجعة حساباته ومحاكمة أعماله وأقواله في محكمة عقله ، ووجدانه ، وهنالك تتجلى له أسماء ربه ، ويجد كأن خالقه القاهر فوقه البصير به والأقرب إليه من حبل الوريد يحاسبه : لماذا ابتعدت عني عبدي ؟ أوَلَم أكنِ نعْمَ الرب لك ، فلماذا كنت بئس العبد ؟ هل غيرت معك عادة الإحسان فأشركت بي وخضعت لعبادي من دوني ؟
وكم هي رائعة يقظة الضمير بعد السبات ، وانتفاضة الإرادة بعد الخوار ؟ ! الله ما أحلى العودة إلى دار الأنس بعد الغربة في نفق العصيان ، ما ألذ حكاية الاعتراف بعد الطيش والتمرد !
من هنا كانت نفوس المتقين تتطلع إلى تلك الساعة المتقدة حبا وشوقا وقربا . ألم تسمع رواية الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال :
[ الرَّكْعَتَانِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا ]
« 1 » .
أو سمعت الإمام زين العابدين علي بن الحسين عليه السلام يسأل : ما بال المتهجدين من أحسن الناس وجها ؟ فقال :
[ لِأَنَّهُمْ خَلَوْا بِاللهِ فَكَسَاهُمُ اللهُ مِنْ نُورِهِ ]
« 2 » .
وكل واحد منا بحاجة إلى الاستغفار لكي لا تتراكم فوق قلبه أدران الخطايا والغفلة فيقسو وينغلق ويصبح غلفا لا يرجى له علاج . . ولكي لا يفاجئه الأجل فتضيع عنه فرصة التوبة إلى الأبد .
ولا بد أن نسعى لفرز العمل الصالح عن السيئات بالاستغفار حتى لا يختلط علينا الحق والباطل ، وذلك بأن نحدد بالضبط طبيعة العمل الذي قمنا به ، ولا نخضع لتزيين الشيطان أو تسويل النفس الأمارة بالسوء ، فنبرر كل ما قمنا به ، ونلبسه ثوب الشرعية بتحريف نصوص الدين حسب أهوائنا ، فنكون - لا سمح الله - ممن اتخذ إلهه هواه .
إن المؤمن يتَّهم نفسه أبدا ، ويستجلي قيم الحق وموازين الشرع حتى يقيس بها أعماله ،
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة : ج 8 ص 156 .
( 2 ) وسائل الشيعة : ج 8 ص 157 .