تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
وحتى اليوم . فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً إنهم الملائكة الذين يشرفون بأمر الله على تدبير هذه العوامل الحياتية . جاء في الحديث أن ابن الكوَّاء ( وكان خارجيا ) سأل أمير المؤمنين عليه السلام عن وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً ؟ قال عليه السلام : الرِّيَاحُ ، وعن : فَالْحَامِلاتِ وِقْراً فقال عليه السلام : السَّحَابُ ، وعن : فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً فقال عليه السلام : السُّفُنُ ، وعن : فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً فقال عليه السلام : المَلَائِكَةُ ] « 1 » . [ 5 ] إذا كان معنى القسم في كلامنا - نحن البشر - اتصال موضوعة بأخرى بصورة اعتيادية فإن معناه في كلام الرب اتصالهما بالحق . أرأيت لو قلت : وعمري إنني صادق ، ماذا يكون معناه ؟ أوَلَيس معناه أنك ربطت صدقك بعمرك ، وزعمت أنهما موضوعتان متصلتان حتى لو فقدت إحداهما ( صدقك ) كانت الثانية ( عمرك ) مفقودة هي الأخرى ؟ . وقد لا تكون الموضوعتان متصلتين ببعضهما في الواقع بل في اعتبارك أو تقديرك فقط . بينما إذا جاء القسم في كلام ربنا فإن اتصاله بما أقسم له حق وواقع لا ريب فيه ، فإذا قرأنا في القرآن الكريم : وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ( 1 ) وَطُورِ سِينِينَ ( 2 ) وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ [ التين : 1 - 3 ] . وتلونا بعدها : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : 4 ] . فإن معنى ذلك أن هناك اتصالا واقعيا بين خلقة الإنسان في أحسن تقويم وبين ما سبق من التين والزيتون ( اللذين بهما طعامه ) ، وطور سينين ( الذي يحمي البلاد من الأعاصير والأعداء ، ويوفر الكثير من عوامل الحضارة ) والبلد الأمين ( الذي يزرع السكينة في نفوس الناس ) بين كل ذلك وقوام خلق الإنسان . كذلك في هذا السياق حينما أقسم الله بالرياح التي تذرو ، والسحب التي تسقي ، والسفن التي تجري ، والملائكة الذين يقسمون أمرا ، فإن هناك ربطا بينهما وبين الحقيقة التالية : إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ أولًا : لأن رب السماء المدبر لهذه القوى العظيمة لا يخلف وعده ، وهل يخلف وعده إلا العاجز ، وهل لنا أن نتصور شيئا من العجز في مقام ربنا القوي القاهر المقدر الذي حمل الرياح العاصفة هذه المقادير العظيمة من الماء ، وساقها من فوقنا إلى حيث شاء من الأرض الميتة فأحياها ؟ كلا . . إنه صادق الوعيد ، وحق لنا أن نخشاه قبل أن يحل بأرضنا الدمار والبوار . ثانياً : إن كل تلك القوى المحيطة بنا تؤدي دورها حسب تقدير العزيز العليم ، فكيف لا يخضع الإنسان لذلك التقدير ؟ كيف ترك يتبع هواه ؟ ولماذا جاءته النذر من بين يديه ومن خلفه
هامش
( 1 ) بحارالأنوار : ج 56 ، ص 165 .