تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
هدى من الآيات : في سورة الذاريات المكية التي تحتوي على ستين آية مباركة نقرأ قول الله سبحانه وتعالى في الآية السادسة بعد الخمسين : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، وكما سبق أن نوَّهنا إلى أن بعض الآيات القرآنية تُعدُّ محورا للسياق القرآني في السورة ، وربما تكون الآية الواحدة في السورة مفتاحا لفهم السورة بأكملها ، والآية ( المحور ) التي جاءت السورة من أجلها ومن أجل تكريس مفهومها ومضمونها ، كما مثلا آية الشورى في سورة الشورى أو آية النور في سورة النور وآية الحديد في سورة الحديد أو ما أشبه . ولعل الآية الكريمة : وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ هي الآية ( المحور ) في سورة الذاريات ، حيث تبعثنا - نحن البشر - إلى التوجه بكليتنا لرب العالمين ، والتخلص من الأثقال المادية والأصر النفسية والأغلال الاجتماعية ، وفارين إليه من ذنوبنا وجهالتنا ، هاربين إلى قوته وقدرته من الضعف والعجز اللذين نرتكس فيهما ارتكاسا . وإن عبادة الله تعني التحرر من كل عبودية أخرى ، من عبودية الهوى والشهوة والمال والسلطة ، والتقاليد والأعراف ، مما يمنح الإنسان الكرامة التامة ، وآنئذ يرتفع إلى مستوى التقرب إلى الله حتى يهب له الرب قدرة لا تحد ، وحياة لا تنتهي ، جاء في حديث قدسي عن رب العزة سبحانه أنه يقول : [ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا غَنِيٌّ لَا أَفْتَقِرُ ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ ، أَجْعَلْكَ غَنِيّاً لَا تَفْتَقِرْ . يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا حَيٌّ لَا أَمُوتُ ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ حَيّاً لَا تَمُوتُ . يَا ابْنَ آدَمَ أَنَا أَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ ، أَطِعْنِي فِيمَا أَمَرْتُكَ أَجْعَلْكَ تَقُولُ لِلشَّيْءِ : كُنْ فَيَكُونُ ] « 1 » . إنه آنئذ يكون خليفة الله ليس في الأرض فقط بل في الطبيعة أيضا ، ففي الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام أنه قال : [ مَنْ خَافَ اللهَ أَخَافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ ] « 2 » . بينما يكون العكس حينما يعبد غير الله ، حيث يصبح ضعيفا حقيرا أمامه ، لا يملك من حول أو قوة : [ ومَنْ لَمْ يَخَفِ اللهَ أَخَافَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ] « 3 » . بينات من الآيات : [ 1 - 4 ] تبدأ سورة الذاريات بآيات تشير إلى ما في الكون من مظاهر قدرة الله وتجليات
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 90 ص 379 . ( 2 ) الكافي : ج 2 ص 68 . ( 3 ) وسائل الشيعة : ج 15 ص 219 .