تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
أن الفطرة البشرية بذاتها تكره الانحراف بكل درجاته ، كالكفر الذي يعني مخالفة الدين رأسا ، والفسوق الذي يعني تجاوز حدود الشريعة والعصيان الذي هو ارتكاب بعض الخطايا ، وهذه الثلاثة تعاكس الإيمان ومن دون تطهير القلب من أدرانها لايستقبل القلب روح الإيمان . أُوْلَئِكَ هُمْ الرَّاشِدُونَ قالوا : أصل الرشد الصخرة ، ويسمى صاحب الرأي السديد بالراشد لاستقامته عليه ، وشدة تصلبه فيه ، فهو على يقين من أمره . ورشد المؤمن ناشئ من يقينه ، وتصلبه في الحق إذ إنه عرف دربه الواضح فسوف لا يغيره . وقد التفت السياق من الخطاب إلى الغيبة ، ربما لأن مقام الراشدين رفيع لا بد أن يشار إليه بمثل كلمة أُوْلَئِكَ وهو مقام لا يناله إلا ذو حظ عظيم ، فليس كل تالٍ للقرآن مخاطب بهذه الصفة العظيمة . والآية تدل على أن أساس الدين الحب ، ولذلك يسعى المؤمنون لترسيخ وتنمية هذا الحب في أفئدتهم ويقولون : [ وَاجْعَلْ لِساني بِذِكْرِكَ لَهِجاً ، وَقَلْبي بِحُبِّكَ مُتَيَّماً ] « 1 » . وجاء في صفة حزب الله المفلحين : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [ المائدة : 54 ] . وحين سأل زياد الحذاء الإمام الباقر عليه السلام عن علاقة الدين والحبِّ ، أجابه الإمام قائلا : [ يَا زِيَادُ وَيْحَكَ وهَلِ الدِّينُ إِلَّا الحُبُّ أَ لَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ أَولَا تَرَى قَوْلَ اللهِ لِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله : حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وقَالَ : يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : الدِّينُ هُوَ الحُبُّ والحُبُّ هُوَ الدِّينُ ] « 2 » . [ 8 ] وإذا كان الإيمان هدية الله إلى القلوب الطاهرة ، فإنه فضل من الله لطائفة خاصة من البشر ، وليس كسائر نعم الله شاملة للجميع . فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ يعلم أين ينبغي أن يجعل فضله ونعمته بحكمته البالغة .
هامش
( 1 ) البلدالأمين ، ص 185 ، من دعاء لأمير المؤمنين عليه السلام المعروف بدعاء كميل . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 16 ص 171 .
من هدى القرآن — صفحة 316 | السيد محمد تقي المدرسي