إليه يقول : [ ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق ومن لا يؤتمن على حبة مال كيف يصبح أن يؤتمن على قنطار دين ، وهذا إنما كان أصله أن الولاة الذين كانوا يصلون بالناس لما فسدت أديانهم ولم يمكن ترك الصلاة وراءهم ، ولا استطيعت إزالتهم صلي معهم ووراءهم ( وأضاف ) ثم كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا الصلاة لله ، ومنهم من كان يجعلها صلاته . وبوجوب الإعادة أقول : فلا ينبغي لأحد أن يترك الصلاة مع من لا يرضى من الأئمة ولكن يعيد سرا في نفسه ولا يؤثر ذلك عند غيره ] « 1 » .
[ 7 ] كيف تتموج الفتنة في المجتمع المسلم ؟ إنها تشرع بشائعة تتلقفها الألسن ثم لا يلبث أن تتحول إلى تيار يجرف معه البسطاء ، والانتهازيين ، والفوضويين آنئذ تطفق الفتنة وأصحابها بالضغط على القيادة الشرعية التي عليها أن تختار بين الاستسلام لعاصفة الفتنة ، أو خسران شريحة اجتماعية ، فما هو الحل ؟ الحل ينحصر في تحلَّي المجتمع بروح الانضباط وأن يعي الجميع أبعاد نعمة القيادة فيشكروها شكرا عمليا . حقا إن المجتمع الذي يعي أهمية القيادة الشرعية يتحصَّن ضد عواصف الفتنة الداخلية بالصلابة ذاتها التي يقاوم بها قواصف التحديات الخارجية . لذلك يأمر القرآن بأن نعلم دور الرسول فينا ( ثم من يخلفه ويرث مقامه بدرجة ما ) .
وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ فهو إذن مبعوث من عند الله يحمل رسالة الحكمة والمعرفة والبصيرة ، وما دام كذلك فلا بد من الرجوع إليه عند الفتن والشبهات ، ولا يجوز الضغط عليه بقبول آرائكم وشهوات أنفسكم ، لأن ذلك ليس من مصلحتكم .
لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنْ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وكيف لا تصيبهم المشقة والعَنَتُ وقد خالفوا العلم إلى الجهل ، والحكمة إلى الجهالة .
وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمْ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ الرسالة نعمة وفضل ، ووعي هذه الحقيقة يجعلنا نستفيد منها بصورة أفضل ، أوَلَيس الذي يجهل أن له رصيدا كبيرا في البنك لا ينتفع به ؟
والإيمان بالرسالة هو الآخر توفيق من عند الله ونعمة وفضل ، صحيح أن العبد يخطو إلى ربه الخطوة الأولى ، ويسلَّم للحق ، ولكن لولا أن الله يحبب الإيمان في قلوب من يصلح له ما زكى أحدٌ من البشر أبدا . ولقد حبَّب الله الإيمان مرتين ، مرة عندما خلق البشر على فطرة الإيمان بالله ، ومرة عندما ألقى في أفئدة المسلمين لربهم الصالحين لتلقي نعمة الهدى حب الإيمان . كما
هامش
( 1 ) تفسير القرطبي : ج 16 ص 213 .