وسورة المائدة التي تبني كيان الحضارة الإسلامية نراها تحدثنا في فاتحتها عن حرمة الاعتداء على أموال اليتامى الذين هم أضعف الحلقات الاجتماعية ، وهنا أيضا تعالج الآيات أعقد حالات الخلاف وهي حالة الاقتتال أولا ثم تتدرج في الحديث عن سائر الحالات الأقل تعقيدا . لماذا كل ذلك ؟
يبدو أن وراء كل ذلك حكمتين :
الأولى : لبيان الغاية التي سوف تنتهي إليها تسلسل الحالات ، لكي لا يستهان بمبدئها فالخلافات الجزئية التي نستخف عادة بها والشائعات التي نبثها هنا وهناك فيما بيننا بلا وازع قد تنمو حتى تصبح صراعا دمويا بين طائفتين من البشر . فلكي نرى الحقائق لا بد أن نضرب لها مثلا واضحا ثم نقيس عليه سائر الأمثلة .
الثانية : أن عظمة الشريعة تتمثل في معالجة الحالات الشاذة البالغة حدها في التعقيد ، أما الأوضاع العادية فإن التعامل معها سهل ميسور .
فمعالجة حالة الطلاق أو الخيانة الزوجية ( الزنا ) هي المقياس لقدرة الشريعة على وضع نظام صائب لشؤون الأسرة ، كما أن الحفاظ على أموال اليتيم دليل على مدى صلاحية النظام الاقتصادي في المحافظة على حقوق الناس .
كذلك معالجة مشكلة الحرب الأهلية تشهد على مدى صلاحية النظام الاجتماعي في مواجهة التحديات .
من هنا بدأ السياق بهذه المعالجة وقال : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا المسؤولية الأولى إذن هي وقف الاقتتال وإقامة السلام بأية وسيلة ممكنة ، وهي مسؤولية الجماهير ، لأنهم القوة الباقية بين الطائفتين . أما لو كلَّفنا طائفة ثالثة فقد تدخل طرفا في الاقتتال وقد لا تكون أقوى من إحداهما . والملاحظ :
أولًا : أن التعبير جاء بصيغة التثنية ثم الجمع ثم التثنية ، ذلك أن سبب الاقتتال يكون عادة الاختلاف بين فريقين لكل منهما خصائصه وميزاته ، والصلح يكون بين قيادتي الفريقين ، بينما ذات الاقتتال يكون بين أتباعهما ، فقد يكون المقاتلون ضحية مؤامرة قيادتهم ، وزجهم في معركة لا مصلحة لهم فيها ، بينما القيادة عند الفريقين مسؤولة عن الحرب كما هي مطالبة بالصلح .
ثانياً : القرآن لم يحدثنا عن قوانين الصلح أو عن الصلح الذي يقوم على العدالة ، لأن
من هدى القرآن — صفحة 318
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٨