وكذلك الشرط هنا : إذا جاءكم فاسق بنبأ . . فإن الشرط مقصود وغرضه تحديد النتيجة بأضيق الحدود ، وهو كون المخبر فاسقا ، ولهذا قال الأولون : إن هذا من مفهوم الشرط وليس من مفهوم الوصف والله العالم .
خامساً : ماذا يعني التبيُّن ؟ يبدو أنه يشمل كل أسلوب يؤدي إلى حالة الوضوح عند الإنسان ، ولأن الله قد خاطب عامة المؤمنين بهذه الكلمة ، فإن مفهوم التبيُّن يكون عرفيا أيضا ، بمعنى أن كل ما تطمئن إليه نفس الإنسان العادي ، حتى لا يبقى فيه شك معقول أو ارتياب يعتني به العقلاء كاف حجة عند الله في الموضوعات .
إن التعليل في ذيل الآية فيه من السعة ما يشمل خبري العادل والفاسق معا بتفاوت ، لأنه ناظر إلى الموارد التي يكون العمل فيها بجهالة ، أي العمل بسفاهة وحمق ، لأنّ الآية عوّلت على الجهالة . وخبر الفاسق مساوق للجهالة بينما خبر العادل يخضع لاعتبارات موضوع إخباره . والتبيُّن يتطلب بيِّنة للقبول تتناسب مع موضوعها . . والبيِّنة قد تكون شهادة عدلين أو الشياع المفيد للطمأنينة ، أو شهادة الخبراء من خلال مجموعة متراكمة من الشواهد والآثار أو خبر العاقل العادل فإنه من التبيُّن عند العقلاء . . على أن العقلاء لا يعتمدون على بعض هذه الأدلة إذا كانت الظروف المحيطة باعثة للشك الحقيقي مثلا : الشياع الذي يعتقد أن منشأه شائعة مغرضة لا يورث طمأنينة في النفس فهو إذا ليس بحجة .
كما أن خبر العادل في ما لا يخفى عند غيره يرتاب فيه العقلاء إذا انفرد به كما لو أنبئنا بأن الإذاعة الفلانية نشرت هذا الخبر ، علما بأنها لو نشرته لسمع أكثر الناس وتناقلوه . . أو أخبر برؤية الهلال في ليلة صافية مما نعلم أنه لو رآه هذا العادل لرآه غيره أيضا ، وإذ لم يشهد برؤيته غيره فإن العقلاء يشكُّون في كلامه . كذلك الحوادث الخطيرة لا يعتمد العقلاء عادة على الخبر الواحد فيها مثل الحروب . .
عموما : حالة التبين تختلف عند العقلاء حسب الموضوعات فلا بد من الالتفات إلى ذلك ، ولعل الحكمة التي سيقت في خاتمة الآية هي محور الحكم فعلينا أن ندور مداره ، ونتفكر كيف نتجنب الوقوع في الجهالة والندم .
وهذه الآية ونصوص دينية أخرى تستهدف فصل الفسقة عن المجتمع الإسلامي نفسيا ، وتقليل دورهم في إدارة القضايا الاجتماعية ، فإذا امتنع المسلمون عن العمل بأخبار الفاسقين ، فقد أبعدوهم عن القضاء والإعلام ، والشهادة في المحاكم وعن أعمال أخرى .
من هنا نجد المفسر المعروف القرطبي ينقل هنا نصا عن ابن العربي يحسُن بنا الاستماع
من هدى القرآن — صفحة 314
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٤