تحقيقه في حالة الاقتتال يكاد يكون مستحيلا ، إنما طلب من الجميع العمل من أجل الصلح .
ثالثاً : سمَّى القرآن الفريقين المتقاتلين بالمؤمنين بالرغم من أن الاقتتال ضلالة بعيدة ، مما يدل على إمكانية تورط أبناء الأمة الواحدة في الحرب الأهلية بسبب الفتن والأهواء ، فلا يجوز اتهام الناس بالكفر بمجرد دخولهم الصراع مع بعضهم حتى لو بلغ حد الحرب ، كما لا يجوز لأحد الطرفين اتهام الطرف الآخر بالخروج عن إطار الإيمان بمجرد إعلانه الحرب عليه .
فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فلم تقبل بالصلح أو قبلت وغدرت .
فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ هل يمكن أن نقيِّم السلام بالشعارات والمواعظ والمعاهدات ومجالس الأمن ؟ قد يكون كل ذلك نافعا ، ولكنه ليس بمستوى وقف الحرب التي لا يخوضها الناس إلا بعد أن ييأسوا من تحقيق أهدافهم بأية وسيلة أخرى ، فيركبون مركبها الصعب ويتحملون مآسيها وويلاتها . فكيف يتوقفون عنها بنصيحة أو قرار ؟
لا بد إذن أن يتحمَّل الناس كل الناس مسؤولية الحفاظ على السلام ووقف نزيف الدم ، وذلك بخوض غمار الحرب بلا تردد ، وإلا فإن بغاة الفتنة سوف يحولون الأرض جحيما .
ولست أعرف مبدأ فرض على تابعيه هذا المستوى من المسؤولية الاجتماعية ، فالمبادئ الغربية ترى انتخاب النظام حقا ، بينما الإسلام يراه واجبا أيضا ، ويفرض على المؤمن الكفر بمن يطغى ويريد فرض نفسه على المجتمع حاكما من دون رضاهم ، كما يفرض القتال ضد الذين يبغون الفساد في الأرض .
ويحدِّد القرآن القتال بعودة الفئة الباغية إلى أمر الله وقبولها بتطبيق حكم الإسلام في قضايا الخلاف بينها وبين الفئة الأخرى ، مما يدل على واجب التقيُّد التام بحدود العدالة في التعامل مع البغاة بالرغم من بغيهم واعتدائهم على السلام والأمن .
وإذا عرفنا أن هؤلاء يشبهون المعارضة المسلحة في عرف اليوم ، نعرف كيف ينبغي التعامل مع المعارضة في النظام الإسلامي بأن نعيدهم إلى الحدود الشرعية والممارسة القانونية لحقهم ، دون مصادرة حقوقهم وانتهاك حرماتهم والإشهار بهم وإغراقهم بالتهم الرخيصة ، فكيف باعتقالهم وتهجيرهم وتعذيبهم وقتلهم ؟ كلا ، إن الله سبحانه يحدد قتال البغاة بعودتهم إلى أمر الله فإذا عادوا كان حالهم حال سائر أبناء الأمة سواء بسواء .
فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ ولا يجوز التمييز بينهما والتفريق بين هذه الفئة وبين الفئة الأخرى ، بمجرد أنها بغت عليها . إذ إن فرض عقوبات على هذه الفئة أو حرمانهم
من هدى القرآن — صفحة 319
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣١٩