تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 260

مساهمون:

ص٢٦٠
القانون في صلح الحديبية ، حيث إن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله كان قد قتل منهم في بدر وأحد والأحزاب ، وغنم أموالهم ، وأسر رجالهم ، بل وغيَّر أوضاعهم ، فهو كان عندهم مذنبا ، وجاء الصلح ليطوي هذه الصفحة من أذهان المشركين ، ويصيِّرهم في سلام مع المسلمين . أما أن يكون معنى الذنب هو ظاهر الكلمة فإن ذلك لا يليق بمقام الأنبياء ، وبالذات مقام أعظمهم شأنا وأرفعهم منزلة عند الله ، وحاشا لله أن يبعث رسولا يرتكب الذنوب ، كما إنه من الخطأ أيضا القول بأن الله أعطى الرسول صك الغفران ، إذ كيف يرفع المسؤولية عن أحد بدون مبرر ؟ وهل بينه وبين أحد من خلقه قرابة حتى يفعل ذلك ؟ أوَلَم يقل في شأن رسوله صلى الله عليه وآله : وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ ( 44 ) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ( 45 ) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ( 46 ) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [ الحاقة : 44 - 47 ] . بلى ؛ هناك بعض الفرق الصوفية هي التي تعتقد بأن الإنسان يصل إلى مستوى من العبودية والوعي بحيث ترفع عنه المسؤولية ، حتى قال قائل منهم لأتباعه : أنتم تجب عليكم الصلاة ، أما أنا فقد وصلت إلى مقام فوق الصلاة ! . إن الإسلام لا يرى نهاية للمسؤولية إلا باليقين ( الموت ) ، وهذا هو القرآن يخاطب الرسول صلى الله عليه وآله - مع أنه انتهى إلى غاية الكمال البشري - بأنه يحتاج إلى المزيد من الصلاة والتقرب إلى الله عز وجل : أَقِمْ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً ( 78 ) وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً [ الإسراء : 78 - 79 ] . ويقول القرآن في هذه السورة : لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ والغفران هنا من باب الوعد وليس الحتم والإلزام مما يقتضي الاستغناء عن الاستغفار ، ولو كان كذلك لاقتضى الأمر تغيير الآية الكريمة : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [ محمد : 19 ] ، والحال أنه تعالى يأمر رسوله بالاستغفار لنفسه وللمؤمنين من حوله . إذ مع غض النظر عن مقام الألوهية الذي يقتضي الاستغفار لقصور العبد مهما سما في الكمال فإن التبعات ( السياسية والاجتماعية ) تحدث بصورة مستمرة ما دامت الدعوة الجديدة تتسع وما دامت تعالج كل يوم اعوجاجا بشريا . وربما يكون وَمَا تَأَخَّرَ إشارة لذلك . ومن المعلوم أن التَّبعات التي تتوالد عند الكفار أو المنافقين تحدث من أفعال الرسول صلى الله عليه وآله في التبليغ أو أفعال المؤمنين الملتزمين بنهجه في التبليغ ومعالجة الانحرافات ، وقد أشارت بعض الروايات إلى هذا ، أي أن الذنوب المتأخرة هي للمؤمنين ، وبهذا الفهم لا ينشأ إشكال صك الغفران المسبق . وفي مناخ هذه الآيات يُحتمل أن يكون أحد تخوم آية : وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ، والمراد من الذنب ، في هذا الإطار أيضا ، مما يعني أن على القيادة الرسالية أن تولي الاهتمام
من هدى القرآن — صفحة 260 | السيد محمد تقي المدرسي