بمعالجة التبعات المتوالدة من العمل الرسالي لئلا تكون عائقا عن التبليغ .
واللام في لِيَغْفِرَ للتعليل ؛ أي أن الغرض من هذا الفتح المبين هو مغفرة ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ومن المعلوم أن لا رابطة بين الفتح وبين مغفرة الذنب بالمعنى الشائع ، ولكن لأن الفتح قضية سياسية فلا بد أن يكون الذنب هو الآخر ذنبا سياسيا أي تبعات الدعوة التي يعدها الكفار خطايا الدعوة الجديدة ، بينما لو اعتبرنا الذنب هنا شخصيا بين العبد وربه لظهرت اللام مبهمة وغير معقولة .
وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ بهذا الفتح ، وبتكريس الإسلام في المجتمع وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً قال البعض : [ الصراط المستقيم هو السبيل إلى تدعيم أركان الإسلام ونشره ] ، ولعلنا نفهم من الآية والسياق أن لكل تطور جديد في الساحة السياسية معطيات سلبية وإيجابية يخشى أن تحرف مسيرة الإنسان ، فمع كل تطور ضغوط ، ومع كل ضغط احتمال للانحراف ، والله يُعِدُّ نبيَّه صلى الله عليه وآله في هذه الآية بأن لا تؤثر فيه تلك التطورات ، سواء كانت من نوع الضغوط والهزائم ، أو الإغراءات والانتصارات ، وأن يبقى مستقيما على خط الرسالة .
وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً لعل معنى العزيز هنا الثابت الذي لا يغالب ، وقد تجسد هذا النصر في فتح مكة المكرمة ، حيث إن صلح الحديبية كان تمهيدا لهذا النصر العزيز .
إذن فللفتح خمس نتائج رئيسة ومهمة وهي :
أولًا : غفران ذنب الرسول الذي كان يعتقده المشركون ، حيث انتهى بعد الصلح الحصار الإعلامي المطلق ، فتحوَّل الرسول من حركة العصيان والتمرد إلى الحركة الشرعية .
ثانياً : إتمام النعمة على الرسول ، بأن هيأ ربنا بهذا الصلح له الظروف ليكون أقدر على نشر الدين في المجتمع .
ثالثاً : تصفية العقبات التي اعترضت طريق انتشار الإسلام ، ونم ثَمَّ دفع جانب من الضغوط التي يواجهها الرسول صلى الله عليه وآله وأصحابه .
رابعاً : تهيئة الظروف المناسبة للنصر العزيز .
[ 4 ] أما النتيجة الخامسة : التي يمكننا اعتبارها نعمة كبيرة بذاتها ، فهي بعث روح السكينة في رَوعِ المؤمنين : فإذا بهم وهم بضع مئات يتحركون من المدينة باتجاه مكة التي يوجد فيها الألوف من أعدائهم المدججين بالسلاح ، ولولا هذه السكينة لما تحرَّك الجيش الإسلامي إلى حدودها ( الحديبية ) .
من هدى القرآن — صفحة 261
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٦١