تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من هدى القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وَلِنَعِيَ أبعاد السكينة ينبغي التأمل مليا في صلح الحديبية حيث كانت سبب حفاظ الإيمان وزيادته في ظروف الصلح الخطيرة . لقد مرَّت على المؤمنين في الحديبية مواقف مرة عملت في قلوبهم ما عملت ، من تطلّع إلى تصديق رؤيا الرسول صلى الله عليه وآله : لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ [ الفتح : 27 ] . إذ حسب بعض - بل أغلب الصحابة - أنّ هذه الرؤيا الصالحة سيتحقّق تعبيرها في هذا السفر نفسه ، لكنّ الذي قدّره الله كان شيئا آخر ! وفي معاهدة الصلح في الحديبية ، مادة تقضي بإعادة المسلمين مَنْ يلجأ إليهم من قريش ويعلن إسلامه ويدخل المدينة ! ولا يلزم العكس ، وكان هذا الموضوع صعبا على المسلمين للغاية . ومن جهة ثالثة لم ترغب قريش أن تكتب كلمة ( رسول الله ) التي كان يُدْعَى بها النّبي محمّد صلى الله عليه وآله ، وأصرّ ممثلها سهيل بن عمرو على حذف الكلمة من معاهدة الصلح ، ولم يوافق حتى على كتابة البسملة ، وأصرّ أن يكتب مكانها ( بسمك اللّهمّ ) ، ولذلك تزلزلت قلوب بعض أصحاب النّبي صلى الله عليه وآله إلى درجة أنّه حين نزلت السورة قالوا أي فتح هذا ؟ ! فالتجارب هي مختبر حقائق الإيمان وهي وسيلة تنميته وترسيخه ، ولقد كانت تجربة صعبة وتداركتهم السكينة ، وإنما يؤيِّد الله عباده وهم يخوضون سوح الجهاد . فتجربة الصلح التي ابتدأت من الرؤيا وامتدت إلى حين تحققها بدخول مكة كانت تجربة إيمانية للمؤمنين استنزلت السكينة وأوجدت مسالك تعميق الإيمان . هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ والسكينة من ( السكون ) ، ومعناها الاطمئنان وما يزيل كل أنواع الشك والتردّد والقلق من الإنسان ويجعله ثابت القدم في الحوادث مستقر الإيمان ! ولذا علل إنزالها فيها بقوله : لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ . وهل الإيمان يزيد وينقص ؟ بلى ؛ بصريح الآية وآيات أخرى ، وفي رواية عن الإمام الصادق أنّه قال : [ إِنَّ الإِيمَانَ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ يُصْعَدُ مِنْهُ مِرْقَاةً بَعْدَ مِرْقَاة ] « 1 » . إذن فما هو الإيمان حتى يقبل الزيادة والنقصان ؟ إنه إقرار بالقلب ، وقول باللسان ، وعمل بالجوارح ، ومعنى ذلك أن الإنسان بكل كيانه المادي والمعنوي قوة واحدة يسلِّم لها بطوعه وإرادته وهي قوة الله . فالإيمان ليس مجرد العلم والمعرفة دون أن يعكس على صاحبه سلوكا وعملا من جنسه
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 62 ، ص 350 .
من هدى القرآن — صفحة 262 | السيد محمد تقي المدرسي