عند التوقيع على البند القائل ، من أراد من القبائل الانضمام إلى الرسول صلى الله عليه وآله والتحالف معه ، أو الانضمام إلى قريش والتحالف معها فله ذلك . . وذلك يعني أن هناك حكومتين في الجزيرة حكومة قريش وحكومة الإسلام .
وفعلا تحالفت طائفة من القبائل - كخزاعة - مع الرسول صلى الله عليه وآله ، وبدأ الإسلام بالانتشار في ربوع الجزيرة ، ولعل الآثار الايجابية التي ترتبت على صلح الحديبية - ومن أهمها تحالف القبائل العربية مع النبي الأعظم - هي التي يسميها القرآن بالفتح المبين .
فالفتح المبين ليس هو الفتح العسكري ، وإنما هو الفتح السياسي والثقافي الذي حققه الرسول صلى الله عليه وآله في صلح الحديبية ، وكان تمهيدا ومرتكزا للفتح العسكري فيما بعد ، حيث حصل بعد الصلح على حالة السلام ، صار يتحرك بسرعة جادة تحت مظلته لنشر الدين ، قال الإمام الصادق عليه السلام :
[ فَمَا انْقَضَتْ تِلْكَ المُدَّةُ حَتَّى كَادَ الإِسْلَامُ يَسْتَوْلِي عَلَى أَهْلِ مَكَّة ]
« 1 » .
ومن الطبيعي أن الحركة التغييرية الناجحة تتقوَّى ، وتبني نفسها في ظروف السلام ، وتستعد لظروف المواجهة ، وما دامت الحكومة ( الواقعية ) في الجزيرة أوقفت حربها مع الحركة الرسالية بعد الصلح ، تحرَّك المؤمنون بقيادة الرسول صلى الله عليه وآله لنشر الإسلام ، وصاروا يقووُّن أنفسهم في ظروف الهدنة ، إلى أن فتحوا مكة عسكريا بعد سنوات قليلة .
[ 2 - 3 ] وكان لهذا الفتح معطيات عظيمة ، من أبرزها غفران الله لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله ما تقدم وما تأخر من الذنب ، وإتمام النعمة عليه ، وهدايته إلى الصراط الحق ، وقد اختلف المفسرون في بيان معنى ذنب الرسول ، فمن قائل بأن للرسول ذنوبا قبل الإسلام وبعده غفرها الله له ، ومن قائل بأنه كانت له ذنوب قبل الفتح وبعده ( فتح مكة ) فأعطاه الله صك الأمان بغفران السابق واللاحق منها ، وقالت جماعة بأن الرسول لم يذنب وإنما الغفران متوجه إلى أمته باعتبارها أمة مرحومة .
ويبدو أن كلمة الذنب لا تنصرف إلى المعنى الظاهر منها - بدواً - وهو المعصية ، وإنما تنصرف إلى ما كان الكافرون والمشركون يعدُّونه ذنبا ، إذ كانت حركة الرسول صلى الله عليه وآله بذاتها ذنبا في اعتقادهم ، لأنها تمرُّد على الواقع القائم ، فصار جزءاً من الواقع القائم بعد الصلح فارتفع عنه ذلك التصور وغفر له ذنبه في نظرهم ، ولتقريب الفكرة أكثر نقول : إن موسى عليه السلام لم يكن في ذمته ذنب حينما قال : وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ [ الشعراء : 14 ] . وإنما كان ذلك وفق القانون الحاكم ، كذلك الرسول صلى الله عليه وآله كان مذنبا حسب ذلك القانون حتى تغيَّر
هامش
( 1 ) بحار الأنوار : ج 20 ، ص 363 .